الرئيسة / منوعات / مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر

مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر

/
/
/
1807 مشاهدات

مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر

مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر

مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر

مزرعه الدموع للكاتبه بنوتة اسمرة الجزء التاسع عشر, معكم صديقة زاكي الشيف الموهوبة ,كريمة جزائرية

البارت 28

دخل “عمر” الى بيته واجماً حزيناً .. سمع صوت المزاح والضحكات تتعالى من غرفة المعيشة .. توجه اليهم ليرى والدته ووالده و عمته و “ايناس” مجتمعون معاً .. هتفت “ايناس” بمجرد أن رأته :

– “عمر” تعالى .. السهرة نقصاك

دخل “عمر” الغرفة ووقف أمامهم .. قالت عمته مبتسمه :

– حقيقي يا “ايناس” انتى عامله جو تانى للمزرعة .. الأيام اللى فاتت مكناش بنلاقى حاجه تسلينا هنا .. أنا من زمان مضحكتش الضحك ده

قالت “كريمة” مبتسمه :

– “ايناس” طول عمرها دمها خفيف .. وبتعمل روح حلوة لأى مكان بتروحه

ضحكت “ايناس” وتنحنحت فى حرج مصطنع قائله :

– أحرجتونى بكلامكوا يا جماعة

التفتت الى “عمر” قائله فى مرح :

– وحضرة سمو الأمير رأيه ايه فيا .. رأيه برده زيهم انى مرحة ودمى وخفيف وعملالكوا جو حلو من ساعة ما جيت ؟

كان “عمر” مازال واجماً .. نظر الى كل العيون الى تطلعت اليه مبتسمه .. وقال بلهجة باردة خلت من أى انفعال :

– البنت اللى انتى كنتوا رافضين انها تدخل عيلتكوا .. هى اللى رفضت تدخلها

قال ذلك ثم غادر المكان وتوجه الى غرفته فى الطابق العلوى وأغلق الباب فى هدوء .. صمتوا وكأن على رؤسهم الطير .. كانت تعبيراتهم متباينه .. فـمدام “ثريا” ظهر على وجهها علامات الارتياح والإنتصار .. أما “ايناس” فلم تستطع أن تخفى ابتسامه الفرحه الممذوجه بالخبث التى تكونت على شفتيها .. أما “نور الدين” فبدا شارداً وكأنه يفكر تفكيراً عميقاً .. أما “كريمة” فكانت مشاعرها متباينه .. صدمة .. عدم تصديق .. ارتياح.. حزن .. حيرة ..مزيج عجيب تراه على وجهها .. نهضت من مكانها وهمت بأن تغادر الغرفة فأوقفها “نور الدين” قائلاً :

– سبيه دلوقتى يا “كريمة”

نظرت اليه قائله فى استنكار :

– لازم أطمن عليه

ثم خرجت وتوجهت الى غرفة “عمر” .. أما “ايناس” و والدتها فقد تبادلتا نظرة ذات معنى

طرقت “كريمة” الباب فلم تسمع صوتاً .. ففتحته ودخلت وأغلقته خلفها .. كان “عمر” يجلس فى الظلام على مقعد فى مواجهة شباك الغرفة وضوء القمر يتسلل الى غرفته ليلقى بأشعته الفضيه على وجهه .. حاولت اضاءه الغرفة لكنه التفت اليها قائلاً :

– لو سمحتى يا ماما سبيه مقفول

أغلقته كما طلب .. وتوجهت اليه .. جلست على المقعد المجاور له وعينيها تتطلعان الى وجهه تراقب انفعالاته .. سألته بصوت حانى :

– انت كويس يا “عمر” ؟

تنهد “عمر” وأغلق عينيه للحظة .. ثم نظر اليها قائلاً :

– ماما بجد أنا مش قادر أتكلم

قالت “كريمة” فى لهفة :

– عايزه أطمن عليك بس

قال بشئ من الحده :

– اطمنى .. بس لو سمحتى أنا فعلاً مش قادر أتكلم مع حد .. لو سمحتى سبيني مع نفسي شوية

ربتت أمه على رجله ثم نهضت وألقت عليه نظرة أسى قبل أن تخرج وتغلق الباب خلفها

كانت هناك مشاعر شتى تعتمل داخل صدر “عمر” .. كان يسأل نفسه سؤال واحد .. لماذا رفضته ؟ .. كان يبحث داخله فى حيره وألم عن اجابه لهذا السؤال .. ظل يبحث ويبحث الى أن تمكن التعب منه .. تعب ذهنى ونفسي .. شعر برغبه عارمه فى أن يذهب اليها الآن ويمسكها من ذراعيها ويهزها بقوة لتخبره بسبب رفضها اياه .. ود لو يقول لها أجننتى يا امرأة لا أستطيع العيش دونك .. أنت أصبحتى كل شئ فى عالمى .. فلماذا تطرديني من جنتك بلا رحمة أو شفقه .. أتظنين أن هذا سهلاً أتظنين أن حرمانى منكِ أمراً هيناً .. كلا .. انه كالموت بالنسبه لى .. كحرمانى من الهواء الذى استنشقه .. لماذا تفعلين هذا بي ؟

قضى ليلته ساهراً على هذا المعقد .. لم تذق عينيه غمضاً .. حتى أشرق الصباح .. كانت “كريمة” تعد الفطور على السفرة مع الخادمة .. عندما رأت “عمر” ينزل مسرعاً ويتوجه الى الباب ..حاولت اللحاق به .. لكنه خرج مسرعاً وأغلق الباب

توجه “عمر” الى مخزن العلف .. وجده مازال مغلقاً .. وقف أمامه واضعاً يديه فى جيب بنطاله كان يبدو عليه التوتر والتململ من الانتظار .. بعد قرابه الربع ساعه .. رأى “عبد الحميد” مقبلاً من بعيد .. فتوجه اليه ..نظر اليه “عبد الحميد” بدهشه .. وانتظر أن يتحدث .. نظر اليه “عمر” قائلاً :

– بنتك رفضتنى ليه يا عم “عبد الحميد”

تنهد “عبد الحميد” فى حسره ..ثم ربت على كتف “عمر” قائلاً :

– أنا عارف ان أفضالك علينا كتير يا بشمهندس .. وان لولاك كان زمانا الله أعلم بحالنا دلوقتى .. وخيرك مغرقنا و ….

قاطعه “عمر” قائلاً :

– مش ده سؤالى يا عم “عبد الحميد” … سؤالى بنتك رفضتنى ليه ؟

جذبه “عبد الحميد” من كتفه وسارا معاً قليلاً قال له “عبد الحميد” :

– أنا زى ما قولتلك امبارح جوازتها الأولى أنا غصبتها عليها .. مكنتش مرتحاله .. ومكنتش عايزه تتجوز بسرعه .. بس أنا من خوفى عليها .. انى أموت وأسيبها فى الدنيا دى لوحدها هى وأختها .. والناس معدتش بترحم .. قولت أهى تكون فى عصمة راجل تتحمى فيه ويكون سندها .. لكنه طلع كلب ولا يسوى ..

ثم قال بحزم :

– عشان كده حلفت انى عمرى ما هغصب واحده فيهم على راجل هى مش عايزاه

صمت “عمر” وهو يستمع الى “عبد الحميد” .. شعر بالأسى على “ياسمين” التى اضطرت الى العيش شهر كامل مع رجل لا تريده .. شعر بالحنق والضيق والغضب لأجلها .. وشعر بالغيره تطعنه فى قلبه طعنات قاتله .. التفت الى “عبد الحميد” قائلاً بحنق :

– ياريتك ما غصبتها عليه

تنهد “عبد الحميد” بحسره قائلاً :

– اللى حصل بأه يا بشمهندس .. والحمد لله ان ربنا خلصها منه .. مع انها خلاص اتحسبت عليها جوازه

توقف “عمر” عن السير ونظر اليه قائلاً :

– برده ماقولتليش هى ليه رفضانى ؟

– ما قالتليش سبب الرفض .. قالتلى بس انها مش عايزاك .. وأنا محاولتش أضغط عليها

شعر “عمر” بالألم عندما سمع (مش عايزاك) .. أطرق برأسه فى صمت .. ربت “عبد الحميد” على ذراعه قائله :

– بص يا بشمهندس .. هى لسه يا دوب مطلقه .. ومصدقت انها خلصت من اللى ميتسماش .. أكيد البنت لسه مش على بعضها .. ولسه خايفه من طليقها ليأذيها .. وأكيد هى مش عارفه هى عايزه ايه ..اصبر عليها .. أنا عارف انها مش هتلاقى أحسن منك .. بس الموضوع محتاج صبر شوية

أومأ “عمر” برأسه .. ثم تركه وانصرف .. وعينا “عبد الحميد” تتابعه بحسره .

***********************

استيقظت “ياسمين” متكاسله .. أخذت تنظر الى ساعتها لتعلم انها تأخرت على عملها .. لكنه لا تشعر بأى رغبة للذهاب الى العمل .. أو حتى لمغادرة فراشها .. كانت تخشى أن تراه فتضعف مقاومتها .. ظلت تُفكر تُرى ماذا كان رد فعله عندم علم برفضها اياه .. طبعاً صُدم ابتسمت لنفسها بسخريه .. هو بالتأكيد غاضب ثائر الآن .. ليس لأنه خسرها .. بل لكرامته التى أُهدرت .. للصفعة التى أعطتها اياه .. وبالتأكيد عائلته سعيده الآن .. أنه ابتعد عن الفتاة التى يرونها غير لائقه لتصبح واحده منهم .. شعرت بالغضب يجتاح كيانها .. ويملأ نفسها .. ظلت تستغفر ربها .. لتحاول تهدئه نفسها .. ثم نهضت وتوضأت وصلت الضحى .. وارتدت ملابسها وخرجت للذهاب الى عملها

وقفت “نهلة” فى مطبخ بيتها الجديد .. بيت “ياسمين” سابقاً .. وأخذت تعد طعام الفطور وهى تدندن فى سعاده .. استيقظ “مصطفى” ودخل المطبخ فرآها وعلامات الفرح على وجهها .. شعر بالغيظ وقال لها :

– مكنتش أعرف انك بتقومى من النوم مزاجك رايق كده

التفتت اليه قائله بسخريه :

– وهتعرف منين .. انت كان كبيرك تشوفنى بالليل وتخلع

تركها وذهب الى الحمام .. أعدت السفرة وجلست فى انتظاره .. خرج وجلس يتناول طعامه فى صمت .. التفتت اليه قائله :

– كان رجل طيب

قال لها بدهشة :

– هو مين ده

قالت له بحده :

– اللى انت عامله حداد يوم صبحيتنا

ألقى الطعام من يده والتفت اليها وصاح بسخريه :

– صبحيتنا .. سمعيني تانى كده .. ليه انتى فاكره نفسك بنت بنوت ولا ايه .. ده احنا دفنينه سوا

قالت بنفس السخريه :

– ما هو عشان دفنينه سوا .. لازم تبقى العلاقة بينا أحسن من كده

قال بحده :

– عايزانى أعاملك ازاى ان شاء الله

قالت “نهله ” :

– تعاملنى زى ما كنت بتعاملنى زمان ..فرق ايه زمان عن دلوقتى .. هى مجرد الورقة اللى كتبناها امبارح عند المأذون .. تخيل انها متكتبتش واحنا مع بعض زى ما احنا

قال بمراره :

– أتخيل ازاى انها متكتبش دى أنا حاسس ان الورقة دى سلسله ربطانى من رقبتى

نظرت اليه بحزن قائله :

– للدرجة دى يا “مصطفى” .. شايف ان جوازك منى سلسلة حوالين رقبتك

قال بقسوة :

– أيوة سلسلة خنقانى ولو أطول أخلص منها كنت خلصت

نهض وأخذ الجاكيت ارتداه وفتح باب البيت وخرج وأغلقه بقوة .. وترك “نهلة” خلفه ودموع الحزن تتجمع فى عينيها وقالت لنفسها ( ليك حق تعمل فيا أكتر من كده .. أنا اللى أهنت نفسى من البداية )

***********************

اتصل “كرم” بـ “ريهام” على الخط الداخلى وطلب منها احضار أحد الملفات الى مكتبه .. طرقت “ريهام” الباب فأسرع برفع سماعة الخط الخارجى .. دخلت “ريهام” فأشار اليها بيده أن تنتظر .. أمسكت الملف بكلتا يديها وانتظرت حتى ينهى مكالمته .. تحدث “كرم” وهو يرجع بظهره الى الوراء ويضع ساقاً فوق ساق :

– طبعا هو احنا عندنا أعز منك .. انتى عارفه معزتك عندنا كويس .. وعندى أنا تحديداً

ألقى نظره على “ريهام” الواقفة أمامه .. والتى لا تظهر أى انفعالات على وجهها .. لكن كانت بداخله تشعر بالضيق والحنق وودت لو أخذت منه سماعة الهاتف وحطمتها فوق رأيه .. أكمل “كرم” فى صوت هائم :

– مش هتيجي تنورينى فى المكتب .. يا سلام تعالى انتى بس وانتى تشوفى أنا هستقبلك ازاى .. بس ياريت القمر يحن وميتأخرش علينا .. عشان احنا مش حمل بعاده

كانت “ريهام” قد وصلت الى ذروة غضبها .. همت بالإنصراف لكنها لمحت على الأرض نهاية سلك الهاتف الذى يتحدث فيه “كرم” .. كانت عاملة التنظيف تتعثر فى الأسلاك .. كلما نظفت . فكانت تفصلها من مكانها .. وكانت “ريهام” تعيدها مرة أخرى قبل وصول “كرم” .. لكنها اليوم نسيت تركيب سلك الخط الخارجى ..

التفتت لتنظر اليه مرة أخرى وعلامات خبيثه ترتسم على وجهها .. أنهى “كرم” مكالمته ووضع السماعة مكانها وهو يختلس النظر الى “ريهام” التى قالت :

– اظاهر ان حضرتك كنت بتتكلم مع شخصية مهمة جدا

ابتسم “كرم” بخبث وتمطع قائلاً :

– فعلاً شخصية مهمة جدا .. تقدرى تقولى واحده مش عادية

نظرت اليه “ريهام” وعيونها تلمع فى مرح وخبث وقالت :

– اظاهر فعلاً انها واحده مش عاديه أبداً لدرجة انك سبحان الله تقدر تتكلم معاها من غير ما يكون فى حرارة فى التليفون

نظر اليها “كرم” وقد بُهت ..فأشارت برأسها الى سلك الهاتف الملقى على الأرض .. نظر “كرم” اليه وهو يتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه فوراً .. تقدمت “ريهام” ووضعت الملف على المكتب .. وخرجت وهى ترسم ابتسامه خبيثه على شفتيها .. أما “كرم” فقد كان يشعر بحرج شديد من هذا المأذق السخيف الذى وضع نفسه فيه

**********************

– يعني هى قالتك هى رفضته ليه ؟

ألقى “أيمن” هذا السؤال على “سماح” وهما جالسان معاً يتناولان طعام الإفطار .. قالت “سماح” فى ضيق :

– بصراحة صحبك مينفعهاش

قال “أيمن” بإستغراب :

– ليه بأه ؟

– هما الاتنين مختلفين عن بعض فى كل حاجه .. الأخلاق الطباع التربية اسلوب حياتهم .. كل حاجه مختلفين فيها .. هما الاتنين مينفعوش بعض يا “أيمن” .. “ياسمين” طول عمرها عاقله وبتفكر بعقلها .. وبصراحة أنا معاها فى قرارها ده

– بس ده مكنش رأيك لما عرفتى ان “عمر” اتقدملها

قالت “سماح” بسرعة :

– لانى مكنتش شايفه الموضوع من وجهة نظر “ياسمين” بس بعد ما سمعتها امبارح فهمت وجهة نظرها .. وفعلاً معاها حق تخاف منه وترفضه … متنساش يا “أيمن” انها مطلقه .. يعني أكيد مش عايزة تخوض تجربة فاشله للمرة التانية

قال “أيمن” بحده :

– ومين قالك انها هتكون تجربة فاشله .. انتى متعرفيش “عمر” بيحبها ازاى .. “عمر” صاحبي يا “سماح” عشرة سنين طويلة مش سنة ولا اتنين .. أنا عمرى ما شوفته متعلق بحد كدة .. حتى البنت اللى كان خطبها قبل كده .. مكنتش شايفه متعلق بيها كده

– أهو البنت اللى كان خطيبها دى أحد أسباب رفض “ياسمين” لـ “عمر”

قال “أيمن” بدهشة :

– ازاى يعنى .. هى رفضاه عشان كان خاطب ؟

– لأ طبعاً يا “أيمن” مش عشان خاطب .. عشان الانسانه اللى خطيبها دى .. هى سمعت كلام كتير عنها هنا فى المزرعة .. يعني اللى يخطب واحدة بالمنظر ده .. هيكون ايه يعني غير واحد تافه

قال “أيمن” بحزم :

– كانت غلطة .. ورجع عنها فى الوقت المناسب .. هنعلقله حبل المشنقة يعني

قالت “سماح” تحاول افهامه :

– يا “أيمن” أنا ما قولتش ان ده السبب الوحيد .. قولت ده أحد الأسباب .. وفى أسباب قوية جداً .. بس مش هقدر أقولك عليها .. لأن “ياسمين” مأمنانى ان الكلام مايوصلكش .. بس فعلاً هى معاها حق ترفض

قال “أمين” فى حيره :

– والله انتوا الاتنين أغرب من بعض .. انتى مش شرحالى الموضوع على بعضه عشان كده انا مش عارف أفهم أسباب رفضها .. بس الحاجه الوحيدة اللى أنا عارفها .. ان “عمر” بيحبها بجد .. و دى أول مرة أشوفه بيحب واحده كده

تأملته “سماح” قائله :

– انت واثق انه بيحبها بجد

أكد لها “أيمن” قائلاً :

– أيوة واثق

قالت فى حيره :

– معرفش بأه .. ربنا ييسرلها الخير وخلاص

***************************

كانت تقف وتولى ظهرها الى الباب .. تقرأ الملف الذى بين يديها وتضيف عليه ملاحظاتها .. التفتت لتجده أمامها .. يقف أمام الباب وينظر اليها فى صمت .. تسارعت خفقات قلبها .. شعرت بالإضطراب .. ودت الهرب .. لكنه واقف يسد المنفذ الوحيد للهرب .. هربت من عينيه .. وساد الصمت .. قال “عمر” بهدوء :

– ممكن أعرف انتى ليه رفضتيني

ازداد ارتباكها .. صمتت .. لا تدرى ما تقول .. أعاد سؤاله مره أخرى :

– ليه رفضتيني ؟

أيقنت أن لا مفر منه .. نظرت اليه قائله :

– أعتقد ان من حقى انى أقبل أو أرفض .. وأنا رفضت

تلاقت نظراتهما فى صمت للحظة .. نظرة عتاب منه .. ونظرة صد منها .. قال لها بهدوء :

– طبعاً من حقك تقبلى أو ترفضى .. لكن أنا بسأل عن أسباب الرفض

قالت ببرود :

– أفضل أحتفظ بيها لنفسي

قال بصرامة :

– لأ مش من حقك

احتدت عليه قائله :

– يعني ايه مش من حقي

قال “عمر” بنفس الصرامة :

– مش من حقك تحتفظى بأسباب الرفض لنفسك .. لازم أعرفها

تماسكت قائله :

– وأنا معنديش كلام أقولهولك .. رفضت وخلاص

ظهرت علامات الغضب على وجه “عمر” واقترب منها قائلاً :

– انتى ليه بتعملى كده

قالت بغضب هى الأخرى :

– ايه يا بشمهندس .. مضايق انى رفضتك .. ايه كنت فاكر ان مفيش بنت تقدر ترفضك

صمتت قليلاً ثم نظرت فى عينيه قائله بقسوة :

– لأ .. أنا رفضك .. تحب تسمعها تانى .. أنا رفضتك .. أنا مش زى البنات اللى انت تعرفهم واللي يتمنوا اشاره منك .. أنا مش زيهم .. أنا أبعد من أحلامك

قالت ذلك ثم انصرفت مسرعه .. لتترك “عمر” فريسه للشعور بالغضب

وقفت “ياسمين” فى المساء مع أختها فى شرفة غرفتهما .. قالت “ياسمين” بهدوء :

– احنا لازم نمشى من هنا .. معدش ينفع نستنى فى المزرعة

قالت “ريهام” بلوعه :

– ليه ؟ .. نمشى ليه ؟

نظرت اليها “ياسمين” قائله :

– نمشى بكرامتنا قبل ما “عمر” يطردنا

– تفتكرى “عمر” ممكن يطردنا

شردت “ياسمين” قليلاً ثم قالت :

– حتى لو مطردناش .. فده هيكون عشان خاطر “أيمن” بس .. لكن هو أكيد عايزنا نمشى من هنا بعد ما رفضته

نظرت اليها “ريهام” وقالت :

– انتى مش ممكن تغيري رأيك يا “ياسمين”

هزت “ياسمين” رأسها نفياً وقالت بضعف :

– لأ .. مش هغير رأيي

قالت “ريهام” :

– بس انتى ….

ثم قطعت كلامها .. نظرت اليها “ياسمين” قائله :

– حتى لو كنت كده .. ده مش كفايه بالنسبة لى .. عشان أوافق عليه

ثم نظرت الى أختها بألم قائله :

– “ريهام” عشان خاطرى مش حبه أتكلم فى الموضوع ده

ربتت “ريهام” على ظهرها فى حنو قائله :

– خلاص أفلى على الموضوع

ثم هتفت فى مرح فجأة :

– استنى هكيلك حاجة تضحكك

نظرت اليها “ياسمين” برجاء قائله :

– ياريت .. أنا فعلاً نفسي أضحك

قالت “ريهام” فى مرح :

– “كرم” النهارده عمل حتت موقف خلى شكله زباااااااااله

ضحكت “ريهام” .. فسألتها “ياسمين” مبتسمه :

– ليه عمل ايه ؟

أكملت “ريهام” ضاحكة :

– ندالى عشان أجيبله ملف وأول ما دخلت عمل نفسه بيتكلم مع موزه فى التليفون وهاتك يا تسبيل وهيام وكلام يحرق الدم ..وبعد ما قفل نبهته ان الفيشة بتاعة التليفون مفصوله .. حسيته كان هيموووووت

ضحكت “ياسمين” مع “ريهام” التى لم تتمالك نفسها هى الأخرى .. سألتها “ياسمين” وسط ضحكاتها :

– طيب هو ليه عمل كده

قالت “ريهام” بمرح :

– أنا عارفه .. حب يترسم أو يجس نبضى

سألتها “ياسمين” بإهتمام :

– يجس نبضك ازاى يعني

قالت “ريهام” بخبث :

– يعني يشوف رد فعلى ايه لما أمسعه بيكلم بنت بالشكل ده أدامى .. بس ايه أختك أسد ولا بينت أى حاجه على وشى .. واديتله الكلمتين وكسفته من نفسه وخرجت

قالت “ياسمين” بخبث :

– هو فى ايه بالظبط يا “ريهام”

ابتسمت “ريهام” قائله :

– يعني تقدرى تقولى كده فى شرارات خفيه .. بس احنا الاتنين عاملين فيها من بنها

قالت لها “ياسمين” بقلق :

– متلعبيش بالنار يا “ريهام” .. “كرم” صاحب “عمر” يعني ممكن يكون زيه

قالت “ريهام” بإستغراب :

– هو انتي ليه شايفه “عمر” وحش أوى كده .. أى راجل فى سنه ممكن يكون له أخطاء وماضى ..المهم انه يتوب ويبقى كويس

قالت “ياسمين” بحزم :

– وأنا مش عايزة أبداً راجل بالشكل ده .. أنا عايزه واحد أكون أنا الأولى فى حياته زى ما هو الأول فى حياتى

احتدت “ريهام” قائله :

– انت ليه بتتعاملى مع “عمر” أكنه “مصطفى” .. أكنه غلط نفس غلطة “مصطفى” ..

صمتت “ياسمين” فأكملت “ريهام” :

– انتى خايفه .. تجربتك مع “مصطفى” خلتك خايفه من أى راجل وحسه انه هيخونك فى أول فرصه

قالت “ياسمين” بأسى :

– معاكى حق .. وللأسف حياة “عمر” الغلط واللى ضد مبادئي مخوفانى أكتر .. ومخليانى مش قادرة أثق فيه

قالت لها “ريهام” بجديه :

– أنا واثقه ان “عمر” هيتغير علشانك يا “ياسمين”

– تفتكرى

– لو بيحبك هيتغير

رددت “ياسمين” فى مراره :

– ده لو بيحبنى فعلاً .. مش مجرد حاجه جديدة حابب يجربها ..بنت ممرتش عليه قبل كده جذبت انتباهه مش أكتر

رأت “ريهام” علامات الحزن على وجه أختها فقالت فى مرح

– انتى عاملة زى اللى اتلسع من الشربه ومن كتر خوفه يتلسع تانى عمال ينفخ فى الزبادى .. و”عمر” مش زبادى .. ده قشطة مخلوطه بحلاوة وعليهم صوص مربي .. متخيله الطعم

ابتسمت “ياسمين”.. وأخذت تتأمل النجمات التى تلمع فوق رأسها فى شرود

******************

بعد عدة أيام من زواجهما .. كانا يجلسان معاً لمشاهدة التلفاز .. عندما التفت “مصطفى” اليها ونظر اليها ببرود قائلاً :

– انتى هتولدى امتى ؟

ظلت تنظر الى التلفاز دون أن تجيبه أو تلتفت اليه .. قال بحده :

– انتى .. مش بكلمك .. انتى فى الشهر الكام .. وهتولدى امتى ؟

لم تجيبه .. فأخذ الريموت بعصبيه وأغلق التلفاز .. التفتت اليه فى برود وفجرت قنبله فى وجهه :

– أنا مش حامل أصلاً

صمت للحظات وهو لا يعى ما قالت .. وعندما بدأ فى استيعاب الخدعة التى أوقعته فيها هب واقفاً ونظر اليها قائلاً بغذب هادر :

– نعم يا روح أمك .. يعني ايه مش حامل .. أمال أنا اتهببت واتجوزتك ليه

وقفت لتواجهه وقالت بحزم :

– اتجوزتنى عشان تصلح غلطتك اللى مرضتش تصلحها بمزاجك .. أديكى صلحتها ورجلك فوق رقبتك

أمسكها من شعرها بقسوة وصفعها بقوة على وجهها قائلاً :

– هموتك .. والله لموتك فى ايدي النهاردة يا تيييييييييييت

نظرت اليه وهتفت وهى تتألم قائله :

– موتنى عشان تدخل السجن طول عمرك .. أو يعدموك وتحصلنى يا “مصطفى”

توقف عن شد شعرها وهو ينظر اليها بغضب .. فأكملت قائله بقسوة :

– ادامك 3 حلول مفيش غيرهم .. اما انك تقتلنى زى ما بتقول وساعتها يا السجن يالاعدام .. والحل التانى انك تطلقنى وساعتها هتبقى سمعتك فى الأرض .. لانى تانى واحدة تتجوزها وتطلق فى شهر العسل .. ده غير ان الأولى فضحتك بما فيه الكفاية لما رفعت عليك قضية خلع يعني اكيد الناس هتقول ان المشكلة فيك انت .. واللى هيأكد ده ان التانية تطلق بعد كام يوم جواز .. أما بأه الحل التالت هو اننا نفضل مع بعض .. احنا الاتنين غلطتنا واحنا الاتنين بندفع تمن الغلطة دى .. يعني احنا الاتنين مضطرين نفضل مع بعض عشان نحافظ على سمعتنا وسط الناس .. يعني محدش أحسن من حد يا “مصطفى”

تركها “مصطفى” وقد أدرك صحة ما تقول .. هو مضطر للبقاء معها .. مضطر لدفع ثمن أخطائه .. مضطر أن يبقى مقيداً بذلك القيد الذى يطبق على أنفاسه .. مضطر لأن يبقى زوجاً لآخر فتاة كان يتمنى الزواج بها

**********************

تقدمت “ياسمين” الى مكتبه .. وقفت أمامه للحظات .. كانت هذه آخر مرة ستراه فيها .. يترحل وتترك المزرعة هى وأهلها .. كان من الممكن أن تترك مهمة اخباره بذلك الى والدها .. لكنها أرادت أن تخبره بنفسها .. لم تدرى لماذا تفعل ذلك .. هل لكى تشعر بإنتصارها أمامه ان استطاعت الخروج من المزرعة برغبتها ودون اراقة ماء وجهها .. أم لكى تراه لآخر مرة

وقفت للحظات ثم استجمعت شجاعتها وطرقت الباب .. كان بمفرده .. جالس يتأمل الورق الذى أمامه دون أن يرى منه حرفاً .. عندما رآها شعر بمزيج من الحب والألم يغزو قلبه .. فها هى حبيبته القريبة البعيدة .. لا يستطيع الاقتراب منها ولا الابتعاد عنها .. وقفت أمامه ثم قالت :

– أنا جايه أبلغ حضرتك اننا يومين وان شاء الله هنسيب المزرعة

أرجع ظهره وأسنده على الكرسى .. صمت لبرهه .. ثم نظر اليها ببرود قائلاً :

– كلامى فى الموضوع ده مش معاكى انتى .. مع والدك

نظرت اليه بدهشة فأكمل قائلاً :

– الموضوع ده القرار فيه لوالدك مش ليكي

قالت بحزم :

– ده قرار مشترك لينا احنا التلاته .. وأنا جايه أبلغ حضرتك بيه

قالت بنفس البرود :

– وأنا كلامك ده ملوش أى معنى عندى إلا اذا سمعته من والدك

ضهرت علامات الغضب على وجهها لماذا يتجاهلها وكأن رأيها لا يعنيه .. قالت بحده :

– بقول لحضرتك ده رأينا احنا التلاته ولو كلمت والدى هيقولك نفس الكلام

صمت قليلا ثم قال بهدةء :

– طيب هتكلم معاه .. اتفضلى على شغلك

ثم أمسك قلمه وشرع فى النظر الى الأوراق التى أمامه .. شعرت بالحنق والضيق وغادرت مكتبه فى عصبيه .. نظر “عمر” الى الباب الذى أغلقته خلفها ثم ترك القلم من يده وتنهد فى حزن .. قام من فوره وذهب الى عم “عبد الحميد” فى المخزن وسأله عما قالته “ياسمين” .. فقال “عبد الحميد” :

– أظن يا بشمهندس معدش ينفع نستنى هنا بعد كده

سأله “عمر” قائلاً :

– ليه يا عم “عبد الحميد” حد هنا ضايقكوا .. أنا صدر منى حاجه ضايقتكوا

قال “عبد الحمد” بسرعة :

– لأ طبعا يا بشمهندس .. أنا مشفتش فى ذوقك ولا فى أدبك واخلاقك

– أمال عايزين تمشوا من المزرعة ليه ؟

قال “بعد الحميد” بحرج :

– يعني بعد اللى حصل .. أظن انت اللى هتكون حابب اننا نمشى

نظر اليه “عمر” قائلاً :

– أظن احنا اتفقنا آخر مرة ان الموضوع محتاج صبر مش كده .. يعني الىل عايز أقوله أنا مفقدتش الأمل .. عارف ان الوقت مش مناسب بالنسبلها .. وهى ممكن يكون تفكيرها مضطرب .. وعشان كده رفضت .. وحتى لو موافقتش وأصرت على الرفض .. ده مش معناه انكوا تسيبوا المزرعة وتمشوا

قال له “عبد الحميد” :

– بس يا بشمهندس …..

قاطعه “عمر” قائلا :

عم “عبد الحميد” انت السنين اللى اشتغلتها فى الشغل الحكومى خليتك منظم زى الساعة بالظبط .. ومحدش قبلك مسك المخزن بإيد من حديد زيك كده .. يعني فعلا أنا محتاجك هنا .. وانت عارف ان الشغلانه دى مينفعش أحط فيها الا واحد أثق فيه .. من بعد ما عينت كذا واحد واكتشفت انهم كانوا بيسرقوا من العلف ويبيعوه برخص التراب .. يعنى مفيش حد غيرك أثق فيه وأسلمه مفاتيح المخزن ده .. يا ترى بأه بعد كل اللى قولتهولك ده لسه برده عايز تسيب المزرعة وتمشى

ابتسم “عبد الحميد” فى سرور وقد فرح لثقة “عمر” به وبعمله وقال :

– ده احنا نخدمك بعنينا يا بشمهندس

ابتسم “عمر” وربت على كتفه قائلاً :

– تسلم يا عم “عبد الحميد”

ثم تركه وانصرف

***************************

خرجت “ريهام” من المكتب بعد انتهاء عملها فى طريقها الى غرفتها .. عندما أوقفها “هانى” واعترض طريقها .. نظرت اليه فى حده قائله :

– أفندم ؟

ابتسم لها قائلاً :

– ازيك يا آنسه “ريهام”

تركته وأكملت طريقها فإعترض طريقها مرة أخرى .. فهتفت قائله :

– لو محترمتش نفسك أنا هشتكيك للبشمهندس “كرم”

اتسعت ابتسامته قائلاً :

– مش تعرفى الأول أنا عايزك فى ايه

قالت بحده :

– مش عايزة أعرف

وهمت بالسير مرة أخرى .. لكنه وقف أمامها قائلاً والابتسامه تعلو شفتاه :

– أنا عايز أتقدملك

بهتت ووقفت تنظر اليه فى دهشة قائله :

– نعم

أعاد ما قال :

– أنا عايز أتقدملك

احمرت وجنتاها .. ونظرت اليه قائله :

– وانتى تعرفنى منين عشان تتقدملى

نظر اليها قائلاً :

– صحيح معرفكيش انتى لانك مش مديانى فرصة اعرفك .. بس اعرف اختك الدكتورة “ياسمين” وواضح انك انسانه محترمة زيها .. وعشانك كده عايز أتقدملك ونتعرف على بعض أكتر

شعرت بالإضطراب فقالت له :

– بعد اذنك

ثم غادرت بسرعة حتى لا يعترض طريقها مرة أخرى

كانت “ياسمين” عائدة الى مكتبها عندما رآها “هانى” واستوقفها قائلاً :

– دكتورة “ياسمين” لو سمحتى

التفتت اليه قائله :

– أفندم

شعر بالارتباك قليلا ثم قال :

– عايز أتكلم مع حضرتك فى موضوع

قالت بنفاذ صبر :

– اتفضل بس بسرعة عندى شغل

تنحنح قليلا ثم ابتسم قائلاً :

– أنا عايز أتقدم لأختك

نظرت اليه بدهشة قائله :

– “ريهام” ؟

اتسعت ابتسامته قائلاً :

– أيوة

سألته بإستغراب :

– وانت تعرفها منين ؟

– شوفتها كذا مرة وهى جيالك وكمان بشوفها كتير هنا فى المزرعة .. وبصراحة عجبانى

رآهما “عمر” واقفان معاً يتحدثات فى هدوء والابتسامه تعلو شفتى “هانى” .. فاشتغل قلبه بالغيره واقترب منهما ووقف أمامهما فى صمت .. ظل الثلاثة ينظرون الى بعضهم البعض دون أن يتحدث أحدهم بكلمه .. قطع “هانى” هذا الصمت وتنحنح قائلاً:

– طيب يا دكتورة هبقى أتكلم معاكى فى موضوعنا فى وقت تانى

قال ذلك ثم غادر المكان .. نظر اليها “عمر” بحده قائلاً :

– موضوع ايه اللى عايز يكلمك فيه

قالت ببرود :

– موضوع ميخصش حضرتك

ثم همت بالإنصراف فاعترض طريقها بيده .. نظرت اليه بحده .. فقال بحزم :

– “ياسمين” .. اياكى أشوفك واقفه بتتكملى معاه تانى

تحولت نظرات “ياسمين” الى الدهشة وقالت :

– يعني ايه ؟

قال بحزم :

– يعني اللى سمعتيه .. متقفيش تتكلمى معاه تانى لأى سبب .. ومن بكرة هقول لدكتور “حسن” يشوف حد غيرك يشرحله الحالات

شعرت بالحنق والضيق فقالت :

– ليه بأه ممكن أعرف السبب

صمت قليلاً ثم قال ببرود :

– أحب أحتفظ بالأسباب لنفسي

قال نفس جملتها التى قالتها عندما سألها عن سبب رفضها اياه .. سالته قائله :

– انت مالك ومالى ؟

نظر اليها بنظرات شعرت بأنها تخترق أعماق روحها .. قال فجأة بصوت رخيم :

– انتى بتاعتى

ارتجف قلبها .. قالت وقد اعترتها الحيرة :

– ايه

تعمقت نظراته فى عينيها أكثر لتشل أى قدرة لها على المقاومة .. وقال بصوت خافت :

– زى ما سمعتى .. انتى بتاعتى

ثم أردف قائلاً بصوت هامس وعيناه تعانقان عينيها :

– مهما قولتى مش هسيبك .. لأنك بتاعتى خلاص .. ملكى أنا وبس .. لا هسمحلك تبعدى عنى .. ولا هسمح لأى حد انه يقربلك

قال ذلك وتركها خلفه وصدى كلماته يتردد فى أذنها .. تحاول استيعابها فى حيره .. وعلى الرغم من قدرتها على السيطرة على تعبيرات وجهها .. إلا أن قوتها لم تكفى لتسيطر على قلبها الذى أخذ يقفز فرحاً لكلماته .

البارت 29

عاد “عمر” الى منزله كالعادة سلم على الجميع ثم صعد الى غرفته .. تركته أمه وشأنه طيلة الأيام الماضية ولم يقترب أحد منه .. قالت مدام” ثريا” بحده :

– ماله عامل كده أكن ميتله ميت .. أحسن انه خلص منها أوام أوام .. بكرة يلاقى اللى أحسن منها مليون مرة

قامت “كريمة” وتوجهت الى غرفة ابنها دخلت وأغلقت الباب وجدته كما المرة الماضية يجلس فى الظلام شارداً حزيناً .. اقتربت منه لتجلس على المقعد بجواره .. نظر اليها فى صمت .. ثم عاود النظر الى تلك السماء أمامه التى تزينت باللون الأسود .. كالسواد الذى يشعر بأنه يغمر قلبه ويغرقه فيه .. نظرت اليه “كريمه” قائله :

– انت بتحبها أوى كده يا “عمر”

تنهد بقوة .. وصمت دون أن يجيب .. سألته قائله :

– هى ليه رفضتك

رد بهدوء قائلاً :

– معرفش

– يعني محاولتش تتكلم معاها

– حاولت

– وقالتلك ايه

– مرضتش تريحنى وتقولى السبب

صمتت “كريمة” تفكر للحظات .. ثم نظرت الى ابنها قائله فى حنان :

– هى تستاهل ؟

تلألأت العبرات فى عين “عمر” خفق قلب أمه لرؤية تلك العبرات التى تعلم جيداً أنها لا تعلن عن ظهروها إلا إذا كان الخطب جلل .. أيقنت عندئذ أن ابنها غارق فى الحب حتى النخاع .. تمتم “عمر” فى خفوت :

– أيوة تستاهل

ابتسمت “كريمة” قائله :

– أكيد تستاهل .. طالما قدرت تأثر فيك كده يبقى أكيد تستاهل

نظر “عمر” الى أمه التى ابتسمت قائله :

– فاكر يا “عمر” لما كنت صغير وكان عندك قفص كبير أوى فيه عصافير .. كنت كل فترة تشترى عصفورة وتضمها للقفص الكبير .. كنت بتحبهم ومهتم بيهم أوى .. بس كان فى عصفورة كانت مميزة أوى بالنسبة لك .. وكنت بتحبها أكتر عن باقى العصافير اللى فى القفص .. الوحيدة اللى كنت تخرجها بره القفص وتفضل حضينها بإيدك .. وكنت كتير أتخانق معاك عشان بتسيب مذاكرتك وتلعب معاها

ابتسم “عمر” فى صمت لتلك الذكرى .. فأكملت أمه :

– و فى يوم العصفورة دى تعبت .. ونقلناها فى قفص صغير لوحدها .. انت زعلت عليها أوى لدرجة انك صممت اننا نشوفلها دكتور .. وعرفنا انها تعبانه وخلاص هتموت .. انت اتأثرت أوى لأنك كنت متعلق بيها جداً .. فضلت كل يوم تحطلها الدوا بنفسك فى المايه ..وتمسكها وتحطلها الأكل فى بقها .. فضلت مهتم بيها ومراعيها .. لدرجة انى كنت بدخل عليك بالليل ألاقيك حاطط القفص بتاعها جمبك على السرير وانت نايم .. وبعد اسبوع .. العصفورة رجعت تزقزق تانى .. وخفت وبأت كويسة يوميها انت كنت هتطير من الفرحه

ظلت الابتسامه مرسومه على شفتى “عمر” وقال :

– كنت مسميها “سمسمه”

وضعت أمه كفها على كفه .. فنظر اليها .. فأكملت بحزم قائله :

– ابنى مبيتخلاش أبداً عن حاجه بيحبها .. ولا بيسيبها تضيع من ايده .. وبيحارب عشان تفضل معاه .. طالما تستاهل

شعر “عمر” بأن كلمات أمه لمست وتراً حساساً فيه وبعثت فى قلبه الأمل والتفائل و .. الحب .. قام من فوره وأمسكها من يدها لتقف وعانقها قائلاً :

– ربنا يخليكي ليا يا أحسن أم فى الدنيا

اتبسمت “كريمة” ونظرت الى ابنها قائله :

– وربنا يخليك ليا يا أحسن ابن فى الدنيا

قال لها “عمر” بحماس وعيونه تلمع من الفرح :

– صدقيني هتحبيها .. أنا واثق انك لو عرفتيها هتحبيها

ربتت “كريمة” بكفها على وجنته قائله :

– طالما انت بتحبها يبأه أنا أكيد هحبها

عانقها “عمر” مرة أخرى وقد شعر بأنه اقترب خطوة أخرى .. بل قفزة أخرى .. اقترب بها من ..”ياسميـــن”

دخلت “ريهام” المكتب .. ثم طبعت البريد وتوجهت به الى مكتب “كرم” وأعطته اياهم .. وقفت ليملى عليها “كرم” الرد وبعدما انتهى .. رسمت تعبيراً جاداً على وجهها ونظرت اليه قائله :

– بشمهندس “كرم” كنت عايزة أطلب من حضرتك حاجه

نظر اليها “كرم” مبتسماً وقال :

– ايه ده هو النهاردة العيد ولا ايه

سألته قائله :

– ليه ؟

قال بمرح :

– “ريهام” بجلالة قدرها هتتنازل وتتواضع وتطلب منى أنا طلب ..يبأه لازم يكون اليوم ده مميز

قالت “ريهام” بجديه :

– كنت عايزة أبلغ حضرتك انى احتمال آخد أجازة قريب .. بس مش أكيد لسه معرفش

ابتسم قائلاً :

– وهتاخدى الأجازة اللى مش أكيد ليه

نظرت اليه وقلت :

– لانى احتمال أتخطب

اختفت ابتسامة “كرم” .. ونظر الى الأوراق التى أمامه وكأنه انشغل بها فجأة .. فأكملت “ريهام” قائله بخبث :

– أنا بس حبيت أبلغ حضرتك عشان تكون عارف انى ممكن مكنش موجودة لفترة .. بعد اذنك

ثم استدارت لتنصرف وعلى ثغرها ابتسامه خبيثة .. تابعها “كرم” بعينيه حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها .. جلس مكانه واجماً .. يفكر فيما قالته للتو .. وعن احتمالية خطبتها .. وجد نفسه يشعر بالحنق والضيق .. فزفر وقال لنفسه بضيق بصوت عالى :

– أنا مالى متتخطب ولا تتهبب أنا مضايق نفسى ليه

حاول العودة الى اكمال عمله .. لكن صدى كلماتها ظل يتردد فى أذنه ليشتت أفكاره .. ووجد نفسه يتساءل عن شكل وصفة ذلك الذى سيكون قريباً خطيبهـــا .

***********************

8 تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.