جواد بلا فارس بقلم بنوتة اسمرة الجزء الثالث عشر

13 4٬047
 

جواد بلا فارس بقلم بنوتة اسمرة الجزء الثالث عشر

جواد بلا فارس بقلم بنوتة اسمرة الجزء الثالث عشر

جواد بلا فارس بقلم بنوتة اسمرة الجزء الثالث عشر

جواد بلا فارس بقلم بنوتة اسمرة الجزء الثالث عشر, معكم صديقة زاكي الشيف الموهوبة ,

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السادس والعشرون

نصلي على حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام

وقفت “آيات” فى شرفة غرفتها تراقب مجموعة من الأطفال يلعبون بالكرة .. ابتسمت وهى ترى تلك البراءة التى يتعاملون بها مع الحياة .. وتلك الإبتسامه التى تعلو شفتى كل منهم فلا أحمال تثقل كتفهم ولا هموم تشغل عقلهم .. فقط اللعب والمرح والضحك .. تمنت أن تعود طفلة مثلهم تلهو وتلعب وتمرح ولا تعرف عن الحياة ما تعرفه الآن .. ليتها تعود الى بيتها القديم فى كنف والدها الحبيب تنعم بالراحه والأمان .. يخلو قلبها من الهموم والأحزان .. لكن كيف السبيل للعودة .. لو كانت العودة ممكنه لتمنينا جميعاً أن نبقى صغاراً ولما تجاوز أحدنا مرحلة الطفولة قط !

لماذا تلك القسوة .. لما يؤذى الناس بعضهم البعض هكذا .. لما شخص لا يعرفك يؤذيكيِ ويخوض فى عرضك .. ماذا جنى ؟! .. تنهدت فى حسره وهى تفكر فى أن الأذى الذى تعرضت له من القريب .. كان أقوى وأشد مرارة من الأذى الذى تتعرض له الآن .. لأن الضربة من القريب مؤلمة وموجعة أكثر .. انتبهت لنفسها ولأفكارها قائله .. لماذا تتذكريه .. اتركى أيامه بكل ما فيها .. لا يستحق حتى العتاب ! .. قفز الى عقلها ذلك السؤال الذى لم تجد اجابته بعد .. لماذا اهتم بالبحث عنها وبدفنها وبإستخراج شهادة وفاتها .. لماذا تلك الحالة الغريبة التى بدا عليها بمجرد أن رآها .. تتذكر جيداً الدموع التى لمعت فى عينيه وتساقطت على وجهه وهو يتمتم بإسمها بشفتين مرتجفتين .. تذكر تحسسه لوجهها وهو يأبى أن يتركها أو يفلتها من بين يديه .. اقشعر جسدها فحركت رأسهاً يميناً ويساراً وكأنها تنفض منه تلك الافكار وتلك الاسئلة ! .. فمهما كان السبب الذى دفعه لذلك .. فلا شأن لها به !

**************************************

أوقف “آدم” سيارته داخل قرية “الماســة” .. نظر حوله يتلفت يميناً ويساراً عله يراها .. لكن محاولاته باءت بالفشل .. سأل على مكتب “كريم” ثم توجه اليه .. ظهر الضيق على وجه “كريم” وهو يتطلع الى “آدم” لكنه وقف ورحب به قائلاً :

– أهلاً بيك يا دكتور

ابتسم “آدم” بتوتر وقال :

– أهلا بيك يا أستاذ “كريم”

أشار “كريم” الى أحد المقاعد أمام المكتب قائلاً :

– اتفضل

جلس “آدم” وبدا عليه الإضطراب قليلاً ثم ما لبث أن ابتدأ حديثه قائلاً :

– أنا حبيت أعتذر مرة تانية عن اللى حصل بسببى لـ “آيات”

قال “كريم” بإقتضاب وهو يقطب جبينه :

– خلاص حصل خير .. انا بدأت فعلاً فى اجراءات القضية .. وان شاء الله يكون فى جلسة قريب

قال “آدم” بحماس :

– وأنا كمان رفعت قضية على الصفحى وعلى الجريدة .. يعني كده هيبقوا قضيتين مش قضية واحدة

أومأ “كريم” برأسه .. فنظر اليه “آدم” قائلاً فجأة :

– أنا عارف انها اكيد حكتلك كل حاجة عنى .. بس أنا اتغيرت كتير

عقد “كريم” حاجبيه وهو يقول بحزم دون أن ينظر اليه :

– ملوش لازمة الكلام ده يا دكتور .. حياتك الخاصة تخصك لوحدك

تنهد “آدم” بأسى قائلاً :

– طيب أنا مش تكلم فى حاجة فاتت دلوقتى .. بس كل اللى يهمنى انك تعرفه انى مستحيل أأذى “آيات” بأى شكل من الأشكال .. ومش هسمح لحد انه يأذيها أبداً

أطرق “كريم” برأسه صامتاً .. فأكمل “آدم” قائلاً :

– المهم دلوقتى واللى أنا جايلك عشان .. هو شهادة الوفاة اللى أنا طلعتها لـ” آيات”

رفع “كريم” رأسها ونظر اليه وقال شارداً :

– أنا برده كنت قلقان من الموضوع ده .. الشهادة دى لازم تتلغى .. أنا هكلم المحامى واشوف ايه الإجراءات اللى المفروض نعملها لأن “آيات” دلوقتى قانوناً متوفيه

– أنا كلمت المحامى بتاعى اللى ماشى فى اجراءات القضية .. وقالى على الخطوات اللى لازم نعملها .. لازم أكون موجود لانى أنا اللى طلعت شهادة الوفاة .. وكمان “آيات” .. وحد يضمنها

قال “كريم” :

– طيب تمام .. هشوف نقدر نسافر امتى وأبلغ حضرتك يا دكتور

قال “آدم” بحماس وهو يخرج احدى الكروت الشخصية من جيبه ويقدمه الى “كريم” :

– وأنا جاهز فى أى وقت .. كلمنى بس على الموبايل وقولى المعاد المناسب ليكوا

تناول “كريم” الكارت منه ووضعه فوق المكتب قائلاً :

– تمام

نهض “آدم” قائلاً :

– بعد اذنك

خرج “آدم” من مكتب “كريم” .. لم يشأ الخروج من القرية .. مجرد معرفته بأن “آيات” فى هذه القرية يجعله يشعر بأنه قريباً منها .. أخذ يدور فى القرية يتأملها بأعين الإعجاب .. راقت له التطورات التى أدخلها “كريم” على القرية .. توجه الى البحر .. رفع حاجبيه بدهشة وهو يرى النساء جالسات بدون أن يرتدين ملابس البحر .. فمن المعروف أن شواطئ القرى السياحية الكبرى غير مسموح بالتواجد على الشط بدون ملابس البحر .. ظل يتمشى بمحاذاة البحر وهو يشعر بسكينة وراحة لم يشعر بهما فى مكان آخر .. عاد أدراجه وهو يدور بعينيه فى القرية لا ييأس من البحث عنها .. رآهـــا .. جالسه على أحد المقاعد تعقد ذراعيها أمام صدرها .. شارده .. تنظر أمامها .. عاقدة حاجبيها .. اقترب منها .. رغماً عنه لاحت ابتسامه على شفتيه .. كاد أن يقترب أكثر ويتحدث معها .. إلا أنه تذكر ما حدث لها بسببه .. وبما قيل عنهما فى الصحف .. نظر حوله ليجد الأمر لا يخلو من وجود بعض الأشخاص هنا وهناك .. عاد ينظر اليها مرة أخرى بحسرة وهو يتمنى الإقتراب منها .. فى تلك اللحظة التفتت .. فتلاقت نظراتهما .. شعرت بالدهشة وهى تراه أمامها .. ود لو اقترب منها وتحدث معها .. لكنه خاف عليها من نظرات الناس وكلامهم .. أطرق برأسه وتنهد بأسى .. وأرغم نفسه على التوجه الى حيث أوقف سيارته .. تابعته “آيات” بعينها فى دهشة .. ترى لماذا أتى ؟ .. ولماذا وقف ينظر اليها ؟ .. ولماذا ذهب ؟ .. عادت لتلتفت أمامها وهى توبخ نفسها عن الإهتمام بأمره … حثت نفسها قائله .. لا شأن لكِ به فليفعل ما شاء وقتما شاء !

***********************************

فى منتصف الإجتماع الذى عقده “كريم” مع “على” و “آيات” و “إيمان” و “أسماء” قال “كريم” :

– والمشكلة دى هنتصرف فيها ازاى ؟

قالت “آيات” بأسى :

– مش عارفه بس لازم نشوف حل .. مش معقول كل شوية نلاقى هجوم فى جرنال شكل

قال “كريم” وهو يزم شفتيه بضيق :

– مفيش حل غير اننا نزود اعلاناتنا فى الجرايد .. ونعمل عروض دورية .. ونحاول على أد ما نقدر منديش للصحافة مادة تتكلم فيها

قال “على” بضيق :

– حتى لو مدينهمش مادة برده هيتكلموا .. دول ناس معندهمش ضمير .. بس سيبهم للى خلقهم .. ميعرفوش ان النبي صلى الله عليه وسلم قال على قول الزور أنه من أكبر الكبائر .. ربنا ينتقم منهم

قال “كريم” وهو يتفحص الأوارق أمامه :

– خلاص كده يعتبر اتكلمنا فى كل حاجة تقريباً

تنحنح “على” قائلاً بحرج :

– على فكرة يا “كريم” .. ان شاء الله والدى ووالدتى جايين بكرة العين السخنة

ابتسم “كريم” قائلاً :

– ينوروا

قال “على” مبتسماً :

– الله يكرمك .. انا بس كنت عايز أستأذنك انهم يعدوا فى شقة فى نفس العمارة اللى احنا فيها .. فى شقة هتفضى النهاردة ان شاء الله

هتف “كريم” على الفور :

– انت بتقول ايه يا راجل عيب عليك تستأذنى ايه .. دول على عينا وراسنا

ابتسم “على” وقال وقد احرجه ترحاب “كريم” بأهله :

– ربنا يكرمك

ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتى “إيمان” وقد أسعدها ترحيب “كريم” بزيارة أهلها للقرية .. أتى “كريم” اتصالاً فنهض قائلاً :

– بعد اذنكوا

خرج “كريم” من المكتب وجلس الجميع ينتظر عودته .. لا تعلم لماذا قالت ذلك الكلام فى هذا الوقت .. لكنها اندفعت فجأة قائله :

– على فكرة أنا مبحبش الرجالة اللى بتفضل تتكلم بالقران والحديث لانهم أول ناس هتحلل لنفسها انها تتجوز على مراتتهم

ران الصمت وكأن على رؤسهم الطير .. نظرت اليها “آيات” و “إيمان” بدهشة فلم يجدا داعياً لذكر ذلك وفى اجتماع عمل ! .. لم يقطع هذا الصمت الا “أسماء” وهى تقول :

– وكل حاجة بيعملوها بيحللولها لنفسهم بالحديث والقرآن ومحدش يقدر يغلطهم

ساد الصمت مرة أخرى حت تكاد تسمع صوت ابرة لو سقطت على الأرض .. لكن هذه المرة قطع الصمت صوت “على” الهادئ وهو ينظر الى يديه التى تمسك بأحد الأقلام فوق الطاولة وهو يقول :

– الرجاله مش محتاجين يحللوا لنفسهم التعدد .. لأنه حلال فعلاً

تسببت كلماته فى شعورها بالغضب .. فنظرت اليه بحدة .. أكمل بهدوء :

– “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ” .. رخصة من عند ربنا للراجل

توترت “أسماء” وأخذت تحرك قدميها بعصبية .. فأكمل “على بنفس الهدوء :

– بس ربنا شرط التعدد ده بشرط مهم ” فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ” .. يعني مش كل الرجاله ليها حق فى التعدد .. ولا كل الرجاله بتبقى عايزه التعدد

ران الصمت للمرة الثالثة .. شردت “أسماء” تفكر فى كلماته .. ثم ما لبثت أن نظرت اليه قائله بتحدى :

– والراجل اللى يتجوز بنت صغيرة أد ولاده ويرمى مراته الاولى فى الشارع وحتى يرفض انه يطلقها عشان يذلها

قال “على” على الفور :

– ميبقاش راجل

ظلت معلقة عينيها به .. فأكمل بحزم :

– الراجل اللى يستغل قوامته على المرأة عشان يذلها ميبقاش راجل .. والنبي صلى الله عليه وسلم وصانا بالنساء خيراً .. واننا نعاملهم برفق ولين زى ما بنعامل الإزاز اللى سهل انه يتكسر .. الراجل هو اللى يعامل المرأة زى ما الرسول وصانا .. أما اللى يأذها ويقهرها ويستغل قوامته عليها ميبقاش راجل أصلاً

غرقت “أسماء” فى شرودها مرة أخرى الى أن جاء “كريم” .. وبعد دقائق انتهى الإجتماع .. لم تستطع منع نفسها من متابعة “على” أثناء خروجه برفقة “كريم” .. قالت لها “آيات” بإستغراب :

– مش فاهمة ليه اتكلمتى عن الموضوع ده أدم “على” ؟

قالت “أسماء” بضيق وهى تهم بالإنصراف :

– عادى كبرى

******************************************

دخلت “إيمان” الى الشرفة لتقول لـ “أسماء” الواقفة فيها :

– “سمسم” ممكن تيجى تعمليلى ماسك من بتوعك

أومأت “أسماء” برأسها ودخلت الى المطبخ وبدأت فى اعداد ما طلبته “إيمان” منها .. قالت “إيمان” بمرح :

– هقف أتفرج عليكي عشان أبقى أعمله بنفسى ما هو مش كل شوية هقرفك معايا

كانت “أسماء” تتحرك بشرود .. وكأنها لا تشعر بما حولها .. تتحرك بآلية لتمزج المكونات معاً .. نظرت الى “إيمان” بشئ من التردد وقالت :

– واضح انك بتحبى أخوكى أوى

قالت “إيمان” مبتسمة :

– “على” .. بصراحة هو أخ عسل .. يعني طيب ومش بيغلس عليا .. بس لما بيزعل بيبقى أستغفر الله .. زعله وحش وعصبي جدا

نظرت “أسماء” الى الخليط الذى تمزجه للحظات نظر أعادت النظر الى “إيمان” قائله :

– هو كان على طول كده فى حاله وواخد جمب

ابتسمت “إيمان” قائله :

– هو على طول هادى .. بس زمان أيام ما كان فى ثانوى كان شقى شوية وكان مطلع روح ماما .. بس الحمد لله أول ما دخل الجامعة ربنا هداه لما اتعرف على ناس كويسة فى المسجد وبقى هادى ومبقتش ماما تشتكى منه خالص بعد ما كان مجننها بعمايله

قالت “أسماء” بسخرية :

– مش متخيلة أخوكى حد يشتكى منه

ضحكت “إيمان” قائله :

– لا والله ده كان فظيع سهر لوش الفجر ومفيش مذاكرة وشتايم وحاجة كده رهيبة .. بس زى ما قولتلك لما اتعرف على ناس كويسة حبهم أوى وصاحبهم وبعد عن صحابه القدام قطع معاهم خالص

فى تلك اللحظة رن جرس الباب فقالت “أسماء” :

– شوفى مين يا “إيمان”

ارتدت “إيمان” اسدالها وتوجهت الى الباب لتفتحه .. خفق قلبها بقوة لمرآى “كريم” واقفاً أمام الباب .. أطرق برأسه وقال :

– “آيات” هنا ؟

قالت بصوت خافت :

– أيوة ثوانى

دخلت غرفة “آيات” وأخبرتها بقدوم “كريم” .. توجهت “آيات” اليه قائله :

– خير يا “كريم”

قال لها بعد لحظات صمت :

– لازم نسافر القاهرة عشان موضوع شهادة الوفاة اللى دكتور “آدم” طلعهالك

توترت “آيات” لذكر اسمه .. فأكمل :

– هو مستنى مننا اننا نحدد المعاد عشان نروح سوا

قالت “آيات” بضيق :

– مينفعش نروح من غيره ؟

– لا للأسف لازم ييجى معانا لإن هو الى طلع الشهادة بنفسه .. ولازم الموضوع ده نشوفله حل انتى كدة قانوناً متوفية .. وده مينفعش كمان عشان القضية اللى احنا رافعينها على الصحفى

صمت قليلاً ثم قال :

– على فكرة هو كمان رفع قضية على الصحفى وعلى الجريدة

أومأت “آيات” برأسها وهى تتساءل بداخله .. أرفع تلك القضية من أجله أم من أجلها .. أتاها الجواب من داخلها بسخرية .. بالطبع من أجله .. وماذا تعنين أنتِ له !

أخرجها “كريم” من شرودها قائلاً بحنان :

– مالك يا “آيات”

أطرقت برأسها قائله :

– مفيش

ربت على كتفها قائلاً :

– معلش متزعليش .. ان شاء الله ربنا هيرزقك بالى أحسن منه مليون مرة

لمعت العبرات فى عيونها ثم رفعت رأسها وقالت بكبرياء :

– أنا أصلاً نسيته .. هو معدش حاجة بالنسبة لى

أطرقت برأسها مرة أخرى لتخفى عينيها المبللتان بالدموع .. عانقها “كريم” بحنان وقال :

– مش عايزك تزعلى نفسك عشان أى حاجة .. ناتى متعرفيش الخير فين .. ادعى ربنا دايماً انه يرزقك الخير ويرضيكي بيه .. لان ربنا أحيانا بيرزقنا الخير ومبنكنش شايفين ان ده خير ولا بنكون راضيين بيه

ثم أبعدها عنه قليلاً قائلاً :

– ماشى ؟

أومأت برأسها .. فقال :

– قولى دايماً الحمد لله

تمتمت :

– الحمد لله

دخلت “آيات” المطبخ فنظرت اليها “إيمان” قائله :

– فى حاجة يا “آيات”

تنهدت “آيات” وهى تقول :

– كان بيطمن عليا وبيقولى اننا هنسافر عشان موضوع شهادة الوفاة ده نشوفله حل

قالت “إيمان” وابتسامه صغيره على شفتيها :

– أخوكى ده حنين أوى .. وطيب أوى .. تحسيه راجل كده ومسؤل عنك رغم انه مش شقيقك

نظرت اليها “أسماء” بخبث ورفعت حاجبها قائله :

– ها وايه كمان

ارتبكت “إيمان” واحمرت وجنتاها بخجل قائله :

– مفيش

قالت “أسماء” وابتسامه خبيثة على شفتها :

– طيب خدى الماسك يا موزه

أخذته “إيمان” من يدها وخرجت من المطبخ مسرعة وهى تشعر بالخجل .. أطلقت “أسماء” ضحكة عالية وهى تقول بلهحة مسرحية :

– القرع لما استوى قال للخيار يا لوبيا !

ابتسمت “آيات” قائله :

– ياباى عليكي غتته .. أحرجتيها يا بنتى

هتفت “أسماء” بمرح :

– أحرجتها ايه بس ده احنا شكلنا هنشوف أيام فل فى القرية دى

******************************************

أثناء جلوسه فى غرفة المعيشة تنامى الى مسامعه صوت بكاء من خلف باب الغرفة .. نهض “مدحت” واقترب من غرفة “أسماء” التى تقسم فيها “مديحة” .. كاد أن يطرق الباب لكنه تراجع .. شى خطوتين ثم التفت وعاد مرة أخرى .. طرق الباب فإختفى صوت البكاء .. لحظات وفتحت “مديحة” وعينيها يبدو عليهما آثار البكاء .. تأملها قائلاً :

– فى حاجة

قالت بحده :

– لا مفيش

– سمعتك بتعيطي

ابتسمت بسخرية وقالت :

– ومن امتى ده بيهمك

زفر بضيق ونظر اليها بحده .. فأكملت :

– ولا يكونش ضميرك صحى فجأة

قال بغضب وقد فشل فى المحاظفة على هدوءه :

– أنا ضميري مستريح على الآخر .. الدور والباقى على ضميرك انتى

صاحت قائله :

– عايز ايه يا “مدحت” انت بتخبط عليا عشان تتخانق معايا

قال وهو ينظر اليها بإحتقار :

– مفيش مرة نتكلم فيها الا ولازم تسمى بدنى بكلامك وتخرجيني عن شعورى .. مفيش مرة اتعاملتى معايا زى ما أى ست عاقلة بتتعامل مع جوزها .. مفيش مرة حسستيني فيها بضعفك ادامى وبإن انتى الست وأنا الراجل .. مفيش مرة حسيت فيها انك بتحترميني وبتعملى اعتبار لكلامى

أخذ نفساً عميقاً ثم قال :

– انتى اللى هديتي كل حاجة بينا .. انتى اللى دمرتى حياتنا

قالت ببرود وقد عقدت ذراعيها أما صدرها :

– وانت العاقل الراسى المخلص اللى اتظلمت معايا فى الجوازه دى مش كده

صاح بحده :

– احنا الاتنين غلطانني .. أنا وانتى غلطانين كفاية مكابرة بأه .. بنتك ضاعت مننا بسبب مشاكلنا

دمعت عيناها وأجهشت فى البكاء وانتفض جسدها وهى تقول :

– وحشتنى أوى .. مش عارفه عامله ايه دلوقتى .. يا ترى عايشة ولا ميته .. ولو عايشة عايشة ازاى وفين . .قلبى واجعنى عليها أوى

تشنجت بالبكاء .. فتنهد “مدحت” بأسى وهو يقول متألماً :

– أعمل ايه .. أدور عليها فين قلبت عليها الدنيا

نظرت ايله ترجوه قائلاً :

– عشان خاطرى يا “مدحت” لاقيها .. نفسى ترجع بأه .. نفسى أطمن عليها .. عمرى ما هسامح نفسى على اللى حصل .. انا مكنتش متوقعة الأمور هتوصل للدرجة دى .. أنا افتكرتها هتروح لصحبتها

أجهشت مرة أخرى فى البكاء وهى تصيح :

– عايزة بنتى .. عايزة “أسماء” يا “مدحت” هاتهالى

اقتربت منها وربت على كتفها قائلاً :

– ان شاء الله هنلاقيها .. بكرة هنزل تانى أدور عليها فى المستشفيات و فى الاقسام وفى محطات الأتوبيس .. ان شاء الله هلاقيها

نظرت اليه وأومأت برأسها وهى تحاول التشبث بأى أمل .. فى أنها سترى ابنتها مرة أخرى

*****************************************

استقبل كل من “على ” و”إيمان” والديهما بالترحاب وبالأعناق والعبرات .. هتفت أمهما وهى تعانق “إيمان” بشدة :

– يا حبيبتى يا بنتى .. وحشتنى أوى

تساقطت العبرات فوق وجنتيها فقال لها زوجها :

– ايه يا أم “إيمان” .. ما العيال كويسين أهو لزمته ايه العياط دلوقتى

ربت “على” على كتفها قائلاً وهو يقبل جبينها :

– خلاص يا ماما بأه

قالت بصوت باكى وهى تنظر اليهما :

– وحشتونى أعمل ايه

ابتسمت “إيمان” وهى تعانقها مرة أخرى قائله :

– وانتى كمان وحشتيني أوى يا ماما

وجدت فجأة “كريم” مقبلاً عليهما فابتعدت عن أمها فى حرج ووقفت مطرقة برأسها وقد شعرت بالإضطراب .. نظر اليهما قائله ببشاشه :

– حمدالله على السلامة

اقترب منه “على” وقدمه الى والديه قائلاً بسعادة :

– ده الأستاذ “كريم” مدير القرية

سلم والده عليه وقال :

– أهلا بيك يا ابنى

مدت والدة “إيمان” يدها وهى تقول :

– ازيك يا ابنى

نظر “كريم” الى يدها فى حرج فسلم عليها “على” بدلاً منه .. قال “كريم” مبتسماً :

– الحمد لله بخير .. منورين العين السخنة

قالت أم “إيمان” مبتسمة :

– ده نورك يا ابنى

حمل “على” حقيبتهما وصعد بها الى شقة والديه والتى كانت فى الطابق الذى يعلوا طابقهم .. دخل الجميع الى الشقة بعدما استأذن منهم “كريم” للإنصراف .. قالت والدة “إيمان” لـ “على ” :

– الجدع ده باين عليه ابن حلال

قال “على” بحماس :

– أوى يا ماما بجد راجل محترم جداً

سألته أمه بفضول ولهفة :

– هو متجوز

– لا يا ماما مش متجوز

ابتسمت والدته قائله بلهجة ذات مغزى وقد لمعت عيناها :

– ربنا يرزقه ببنت الحلال

ثم حانت منها التفاته الى “إيمان” التى تظاهرت بأنها لم ترها ..

*************************************

وقفت “أسماء” تراقب “على” الذى كان يعطى تعليماته لبعض العاملين بالقرية .. كانت تراقبه كمن يراقب شئ غريب يكتشفه لأول مرة .. شئ يشدها ويجذبها .. كلامه غريب عجيب .. لكنه يخترق عقلها .. ويطيب له قلبها .. رقابت احدى الفتيات وهى مقبلة نحوه .. يبدو أنها تشتكيه من شئ ما .. أطرق برأسه واستمع شكواها ثم أجابها ببضع كلمات وانصرفت .. التفت لينصرف فحانت منه التفاته اليها .. رآها وهى واقفة هناك على بضع أمتار تحت الظل توجه أنظارها اليه .. رأته ينظر اليها .. فشعرت بالخجل والتفتت لتغادر المكان !

تلقت “إيمان” اتصالاً من والدتها تقول لها :

– “إيمان” عايزاكى شوية تعالى

– أنا فى الشغل يا ماما

– لا سيبى الشغل دلوقتى وتعالى

قالت “إيمان” بقلق :

– خير يا ماما فى حاجة

– أيوة بعمل محشى وبط وعايزاكى تساعديني

هتفت “إيمان” بغيظ :

– محشى وبط ايه يا ماما دلوقتى بقولك عندى شغل

– طيب خلصى بسة وتعالى .. سلام

بعد عدة ساعات أنهت “إيمان” عملها وتوجهت الى البناية التى تقسم فيها .. وقفت “أمام البناية المغلقة وهى تبحث عن مفتاحها فى حقيبتها فلم تجده .. يبدو أنها نسته فى الحقيبة الأخرى عندما بدلتهما هذا الصباح .. كادت أن تعيد أدراجها عندما وجدة “كريم” مقبلاً فى اتجاه البناية .. اضطربت كعادتها عندما تراه ووقفت فى جانباً .. أخرج مفاتيحه وفتح البوابة ثم رجع خطوتين للخلف وأشار لها بالدخول قائلاً :

– اتفضلى

ودون أن تنظر اليه دخلت وصعدت الدرجات بسرعة وسمعته يغلق البوابة خلفها .. صعدت الى الدور العلوى حيث شقة والدتها .. أمضت “إيمان” الساعات فى اعداد الطعام وهى تهتف بحنق :

– ماما انتى عازمة جيش .. ايه الأكل ده كله

قالت والدتها بحزم :

– احشى وانتى ساكتة

اكملت “إيمان” عملها الدؤب وبعدما انتهت .. من عملها ومن طاقتها ! .. جاءت مهمة تسوية الطعام التى استغرقت وقتاً حتى شعرت “إيمان” أن قدميها وظهرها يصرخان ألماً .. رات أمها تعد صنية كبيرة محملة بالطعام .. فنظرت اليها “إيمان” بإستغراب قائله :

– لمين ده

قالت أمها وهى تكمل مهمتها فى اعداد الصنية :

– شششششش

حملت أمها الصنية وتوجهت الى الباب قائله :

– افتحى الباب

فعلت “إيمان” وهى مازالت تشعر بالدهشة .. هبطت والدتها الدرجات .. لم تغلق “إيمان” الباب بل ظلت مكانها تسمع صوت أقدام أمها على الأرض ثم صوت جرس .. و .. :

– ازيك يا أستاذ “كريم”

فتحت “إيمان” فاها فى دهشة واتسعت عيناها وأطرقت السمع

ابتسم “كريم” قائلاً :

– الحمد لله .. ازى حضرتك يارب تكون القرية عجبتكم

سمعت أمها تقول بحماس :

– دى زى الفل .. الهى يباركلك يارب.. ده أنا سمعه عنك سمع خير .. “على ” و “إيمان” ملهمش سيرة غير عنك

ضربت “إيمان” كفها بوجنتها وهى تمتم بصوت خافت :

– هاااااار اسود

سمعت أمها تكمل بنفس الحماس :

– اتفضل يا أستاذ “كريم” دى حاجة بسيطة كدة مش أد المقام

تناول “كريم” منها الصنية بحرج وهو يقول مبتسماً :

– تسلم ايدك بس مكنش فى داعى تتعبى نفسك وبعدين ده كتير أوى

قالت أمها بمرح :

– كتير ايه .. ده انتوا يا عيني شابين أعدين لوحدكوا فى الشقة لا فى واحدة تطبخ ولا تعملكوا حاجة .. الهى يرزقك انتى و “على” ابنى ببنتين طيبين زيكوا كده

ابتسم “كريم” قائلاً :

– متشكر أوى .. ومعلش تعبينك معانا

قالت “أمها” بحماس :

– لا أبداً متقولش كده ده انت معزتك من معزة “إيمان” و “على” .. آه والله .. وبعدين أنا معملتش الأكل ده .. دى “إيمان” هى اللى أصرت تعمله بنفسها

ضربت “إيمان” وجنتها مرة أخرى وهى تتمتم :

– بتعملى ايه يا وليه

أكملت والدة “إيمان” قائله بحماس :

– أصل “إيمان” بنتى من صغرها وهى ايدها معايا فى شغل البيت .. وما شاء الله عليها دلوقتى بتعمل الأكل أحسن منى كمان .. آه والله .. نفسها فى الأكل حلو أوى .. ما انت هتدوق وتبقى تقول رأيك بأه

– تسلم ايدها

ضغطت “إيمان” على انسانها بشدة وهى تمتم بغيظ :

– حسبي الله ونعم الوكيل

قالت “أمها قبل أن تغادر :

– يلا بالهنا والشفا ولو احتجت حاجة أنا زى أمك بالظبط متتكسفش

ابتسم قائلاً :

– متشكر أوى .. تسلمى

صعدت أمها لتفاجأ بـ “إيمان” الواقفة على باب الشقة وتنظر اليها بغيظ . .ما كادت أمها تدخل وتغلق الباب حتى هتفت “إيمان” بغضب :

– ايه يا ماما جو أفلام الأيبض والاسود ده .. ايه اللى انتى عملتيه ده

قالت أمها ببرود :

– عملت ايه يعنى .. النبي وصانا على سابع جار وده مش جار بس ده صاحب الفضل عليكي وعلى “على”

قالت “إيمان” بحده :

– ماما انتى عارفه كويس أنا قصدى ايه .. انا فهماكى كويس

أشاحت أمها بيدها وهى تنصرف قائله :

– يختى اتنيلى على الله يجي بفايدة بس

تابعتها “إيمان” بعينيها وهى تشعر بالغضب والغيظ

*************************************

أغلقت “آيات” باب الشقة خلفها وهبطت الدرج وهى تشعر بالتوتر .. ظلت تذكر الله فى نفسها علها تهدئ من روعها .. خرجت من البناية لتجد “كريم” منتظرها فى سيارته .. وخلفه .. “آدم” فى سيارته .. أشاحت بوجهها حتى لا تقع عيناها عليه .. لكنه تابعها بعينيه وهى تلف حول السيارة لتركب بجوار “كريم” .. لاحت ابتسامه على شفتيه وهو ينظر اليها .. ود لو تحدث معها .. لكنه يعلم بأن عليه أن ينتظر .. فمهمته ليست سهلة على الإطلاق !

انطلقوا فى طريقهم الى القاهرة .. قاموا بعدة خطوات وفى أكثر من مكان حتى يتم الغاء شهادة الوفاة واثبات أنها مازالت على قيد الحياة .. فى منتصف النهار كان بلغ منهما التعب والجوع مبلغه فإقترح “آدم” الذهاب الى أحد المطاعم لتناول طعامهم .. جلس ثلاثتهم حول الطاولة .. كان بين “آيات” و “آدم” مقعد فارغ .. لكن فى المقابل كان فى مواجهتها تماماً .. حاول “آدم” قدر استطاعته ألا ينظر اليها حتى لا يثير حنق “كريم” .. وضعت عينيها فى طبقها ولم ترفعهما قط حتى لا تصطدم لوجهه .. لكن رغماً عنها تسرب صوته الذى طالما عشقته الى أذنيها .. ذكرها صوته بكل شئ .. بكل تفاصيل علاقتهما .. تذكرت أول مرة رأته فيها .. عندما كان سائق السيارة الأجرة يتشاجر معها .. تذكرت كيف رأته وقتها فارسها وهو واقف بجوارها يدافع عنها ويحميها من بطش الرجل بها .. تذكرت كيف كنت تنتظر مواعيد محاضراته بفارغ الصبر .. وكيف كانت تنظر اليه هائمة سابحة فى أحلامها .. وتذكرت كيف تحطم ذلك الحلم الجمسل لتستيقظ على واقع مفزع .. قفزت كل الذكريات الى عقلها فجأة .. خداعه .. كذبه .. خيانته .. قبلته فى السيارة .. “بوسى” .. الفيديو .. اعترافه بخطبته لابنة عمها .. استغلاله اياها .. لم تتحمل كل تلك الذكريات التى أخذت تظهر أمامها فى اصرار رافضة أن تختفى من عقلها

سقطت منها الملعقة بعدما ارتعشت يدها بتوتر .. التفت “آدم” و “كريم” اليها بعدما قطعا حديثهما .. نظرت الى “كريم” بتوتر قائله بصوت مضطرب :

– ثوانى وراجعه

نهضت وغادرت بسرعة وكأن وحشاً يطاردها .. قطب “آدم” جبينه وهو يشعر أنه سبب ذلك الإضطراب الذى أصابها .. ألهذه الدرجة لم تعد تطيق رؤيته !

عادت … تأملها .. بدت على عينيها البكاء .. هو يعرفها جيداً .. يعرفها أكثر من نفسها .. يستطيع رؤية ذلك الألم الذى تنطق به ملامح وجهها ونظرات عينيها .. لم يتحمل أن تظل أمامه هكذا وهو لا يستطيع مجرد الحديث معها .. وشرح نفسه أمامها .. والتخفيف من حزنها وصدمتها وآلامها .. نهض قائلاً :

– هستناكوا فى العربية

تابعه “كريم” بنظراته ثم التفت الى “آيات” قائلاً بحنان :

– انت كويسة يا “آيات” ؟

أومأت برأسها وهى تحاول رسم بسمة على شفتيها وهى تقول :

– أيوة الحمد لله .. بس يمكن السفر تعبنى

جلس “آدم” فى السيارة وهو يفكر فى هذا الطريق الشائك الذى يجب عليه قطعه ليصل الى “آيات” .. لكن كيف السبيل لبلوغ مراده ؟ .. كيف يستطيع كسب ثقتها من جديد ؟ . .كيف يستطيع أن يثبت لها أن عاد انسان طاهر الذيل ؟ .. كيف يثبت لها أنه تاب وأناب ؟ .. ظلت الأسئلة تتقاذف داخل عقله وهو يحاول أن يجد اجابه لكل منها .. حانت منه التفاته ليجد “آيات” خارجه من المطعم بصحبة “كريم” .. التفت “كريم” الى “آيات” قائلاً :

– نسيت موبايلى على الترابيزة .. خدى المفتاح واعدى فى العربية

تناوت منه المفتاح وعاد “كريم” الى المطعم .. أسرع “آدم” بالخروج من السيارة وتوجه ناحيتها .. بمرجد أن رأته مقبلا نحوها أحثت السير فى اتجاه السيارة لكنه وقف أمامها قائلاً :

– “آيات”

قالت بحزم ودون أن تنظر اليه :

– لو سمحت متكلمنيش

حاولت الإنصراف فوقف أمامها وقال بلهفة :

– أنا مش عارف أتكلم معاكى فى القرية .. خفت حد يشوفنا سوا ويتكلم عنك خاصة بعد اللى اتنشر فى الجرنال

ظهرت الدموع فى عينيها وهى تتذكر تلك الصورة وما كتب تحتها .. قال “آدم” وهو ينظر اليها بألم :

– آنا آسف يا “آيات” .. والله مكنت أعرف انك هتتأذى كده .. أنا مكنتش قادر أتحكم فى نفسى لما شوفتك أدمى .. والله غصب عنى .. معلش متضايقيش منى .. أنا رافع عليه قضية دلوقتى وان شاء الله هجبلك حقك منه

تمالكت “آيات” نفسها فآخر ما تريده الآن هو البكاء أمامه .. قالت بحزم وهى مازالت لا تريد النظر الى وجهه :

– لو سمحت سيبنى أعدى

قال بسرعة :

– طيب أنا هتكلم وانتى اسمعى .. مش عايز أكتر من كده .. أنا عارف انتى حسه بإيه نحيتى دلوقتى وشايفانى ازاى .. ومعاكى حق .. معاكى حق تكرهينى ومتثقيش فيا تانى .. معاكى حق تبقى مش طايقة تبصى فى وشى .. بس أنا اتغيرت .. والله اتغيرت .. أنا غلطت غلط بشع .. عارف .. بس ربنا بيسامح .. مش كده .. مش ربنا بيسامح .. انا على أمل انه يسامحنى ويغفرلى

تقطع تنفسه قال بصوت مضطرب :

– انتى كنتى بتحبيني .. يبقى مش صعب عليكي تسامحيني

لمعت عيناه بالعبرات وهو ويقول :

– والله ما كنت هأذيكي .. فى الأول أيوة بس بعد كده حبيتك بجد

أخذت “آيات” نفساً عميقاً ورفعت عيينها تنظر اليه بحده وقالت بقسوة :

– أنا مستحيل أسامحك .. أبداً .. مهما حصل مش هسامحك .. عايزنى أسامحك على ايه ولا ايه .. أسامحك على ايه بالظبط

قال بجمود وفى عينيه نظرة ألم :

– تسامحيني انى لعبت بيكي من الأول .. تسامحيني انى كنت عايز أنتقم من عمك فيكي وارجع حقى عن طريقك .. تسمحيني انى استغليت مشاعرك نحيتى عشان أرجع حقى .. تسامحيني انى خنتك قبل كتب الكتاب بيوم .. تسامحيني انى عرفت واحدة لمدة سنة وكنت عايش معاها عشان أستغلها وآخد فلوسها .. تسامحيني انى سمعتك كلام كتير عن مشاعرى نحيتك وكان كله كذب .. تسامحيني انى كنت انسان حقير عاق بأمه .. تسامحيني انى مكنتش حتى بصلى ولا كنت عارف ربنا

صمت قليلاً ليأخذ نفسه ثم قال ونظرات عينيه هى مزيح من الحيرة والألم :

– عايزك تسامحيني على كل ده

رغماً عنها تساقطت عبراتها فمسحتها بسرعة بظهر يدها .. كان ذكر كل ذلك أمامها بذلك الوضوح وبتلك الطريقة شاق جداً عليها .. رجع “آدم” خطوة للخلف ليسمح لها بالعبور .. اتجهت مسرعة الى السيارة وأغلقت الباب وهى تدفن وجهها بين كفيها وتفرغ ما بداخلها من ألم وقهر وعذاب .. بالبكــاء !

عاد “آدم” الى سيارته واجماً .. أخرج هاتفه واتصل بـ “فؤاد” ..

– دكتور “آدم” أهلاً بيك

– اهلا بيك يا أستاذ “فؤاد” .. أنا كنت عايز أقابل حضرتك ضرورى .. أنا حالياً فى القاهرة

– خير يا دكتور ان شاء الله

– لا خير ان شاء الله .. عايز أتكلم معاك بخصوص قرية الماسة .. ينفع نتقابل دلوقتى

– والله يا دكتور أنا حالياً فى غداء عمل فى فندق ……… هينتهى كمان 10 دقايق بالكتير

– طيب ينفع آجى لحضرتك دلوقتى .. ولا فى مشاكل

– لا طبعاً موافق يا دكتور .. مفيش مشاكل منتظرك ان شاء الله

أنهى “آدم” المكالمة وقد بدا عليه العزم والإصرار .. عزم على بدء حياته مرة أخرى لكن هذه المرة بشكل لائق .. بشكل يجعله فخوراً بنفسه .. بشكل يجعل ضميره مستريح .. بشكل يجعل “آيات” تراه مرة أخرى .. فــــارس أحــلامـهـــا !

الفصل السابع والعشرون.

صلوا على حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام.

– طبعاً أن ليا الشرف انى أشتغل معاك يا دكتور

ابتسم “آدم” لهذا الترحيب .. فقد كان جل ما يخشاه أن يرفض “فؤاد” لما تنامى الى مسامعه عن علاقته بـ “آيات” وما حدث بينهما .. قال “آدم” بحماس :

– تمام .. أنا متشكر جداً يا أستاذ “فؤاد”

قال “فؤاد” بجدية :

– طبعاً أنا يشرفنى ان راجل زيك عنده خبرة أكاديمية وعملية انه يشتغل معايا فى قريتي .. بس أنا مش فاهم تحديداً حضرتك عايز شراكة ولا ايه بالظبط .. لانك قولت شغل ما قولتش شراكه

تنحنح “آدم” قللياً ثم قال :

– بصراحة حالياً مفيش عندى امكانيات للشراكة .. ولو هشارك هيكون بمجهودى فقط .. وأنا شايف ان حضرتك مش محتاج حد يشاركك بالمجهود لان بالفعل عندك الأستاذ”كريم” مدير القرية .. عشان كده أنا متكلمتش فى شراكة .. أنا اتكلمت فى شغل .. وأنا مش هشترط منصب محدد أنا كل اللى يهمنى انى اشتغل فى القرية

صمت قليلاً ثم تنهد قائلاً :

– أنا سيبت قرية جولدن بيتش بعد ما اتخنقت من اللى بيحصل فيها .. وكنت لغيت من دماغى تماماً فكرة الشغل فى السياحة رغم ان الماجستير بتاعى كان عن الموضوع ده وكمان أنا بحب الشغل فى السياحة جداً وعندى خبره كويسة فيه .. فعشان كدة لما شوفت القرية بتاعة حضرتك والقوانين اللى حاططها مع أستاذ “كريم” .. بصراحة اتشجعت جداً .. وفعلاً لو كان معاياً راس مال حالياً أنا مكنتش اترددت لحظة فى انى أشاركك

ثم زفر بضيق وقال :

– بس للأسف أنا مفيش امكانية للشراكة الا بالمجهود وطبعاً حضرتك مش محتاجة فأى مكان هتقولى امسكه فى القرية أنا مش هعترض ان شاء الله .. وزى ما قولت لحضرتك عايز “زياد” كمان معايا .. هو خبرته العمليه أكتر منى .. “زياد” بيشتغل فى السياحة من سنين وكان مدير قرية فى شرم

صمت “فؤاد” يفكر فيما قاله “آدم” .. ثم التفت اليه وابتسم قائلاً :

– أبشر يا دكتور .. انت و الأستاذ “زياد” أكيد هتكونوا مكسب كبير لقريتنا .. “كريم” راجل محترم وشريكى وممشى القرية بطريقة ممتازة بس دى أول مرة يشتغل فيها فى السياحة .. لكن انت و “زياد” عندكوا خبرة وكفاية انه مجالك يا دكتور

ثم هتف بحماس :

– على خيرة الله .. ان شاء الله اعتبر نفسك انت و “زياد” من النهاردة من فريق قرية الماسة

اتسعت ابتسامة “آدم” وقال بسعادة :

– بدج متشكر جداً يا أستاذ “فؤاد” .. وان شاء الله هنكون عند حسن ظنك

خرج “آدم” من الفندق الذى التقى فيه بـ “فؤاد” .. وهو يشعر بسعادة بالغة .. توجه الى المسجد القريب وأدى فريضة المغرب وهو يشعر بالراحة والسعادة فى قلبه .. طوال الطريق الى العين الساخنة كانت الابتسامه ترتسم على شفتيه من حين لآخر .. استنشق الهواء وكأن اليوم ذراته تحمل عبقاً جديداً لم يستنشقه من قبل .. عبق الأمل والسعادة و تحقيق الذات .. والأهم .. أنه اقترب خطوة من “آيات”

*******************************************

جلست “آيات” فى غرفتها منذ أن عادت الى العين الساخنة .. لم تشعر فى نفسها الرغبة للتحدث مع أحد أو لرؤية أحد .. ظلت تفكر فيما دار اليوم بينها وبين “آدم” .. وتلك الكلمات القاسية التى ألقاها على مسامعها .. لماذا ذكر مساؤه بتلك الطريقة التى جعلتها تكاد أن تختنق ؟ .. أيظن أنها ستسامحه ؟ .. كيف .. كيف تستطيع أن تغفر كل ما قال .. سمعت صوت المفتاح يدور فى الباب .. فمسحت وجهها بيديها ونهضت تستقبل الفتيات .. نظرت اليها “إيمان” قائله :

– ايه ده رجعتى امتى ؟

قالت “آيات” بصوت مبحوح قليلاً :

– من كم ساعة كدة

قالت “أسماء” وهى توجه الى غرفتهما :

– عملتى ايه فى موضوع الشهادة

قالت “آيات” وهى تستند على الجدار بظهرها :

– خلاص تقريباً كده الموضوع اتحل .. لسه اجراءات بسيطة هيعملها المحامى لكن مش هروح تانى القاهرة

أومأت “أسماء” برأسها وقالت :

– كويس

قالت “إيمان” وهى تتوجه الى الباب :

– أنا طالعة أشوف ماما

فتحت الباب وشهقت بقوة عندما وجدت “كريم” أمامها والذى كان يهم بالطرق على الباب .. وضعت يدها على صدرها وقد شعرت بالفزع لهذه المفاجأة .. فقال بخفوت :

– معلش أنا آسف خضيتك .. أنا كنت لسه هضرب الجرس

أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة وتوجهت الى الداخل .. قالت لـ “آيات” بصوت مضطرب :

– أخوكى بره يا “آيات”

توجهت “آيات” الى “كريم” الذى نظر اليها بإهتمام قائله :

– كويسه دلوقتى ؟

ارتبكت قائله :

– أيوة الحمد لله

– ايه بأه اللى كان مضايقك ؟ .. دكتور “آدم” اتكلم معاكى ؟

أطرق “آيات” برأسها قليلاً ثم نظرت اليه قائله بصوت خافت :

– أيوة

– قالك ايه ؟

لاحت العبرات فى عينيها وقالت :

– قالى انه اتغير وتاب وان ربنا بيقبل التوبة وانه عايزنى أسمحه على كل اللى عمله

أطرق “كريم” برأسه شارداً ثم نظر اليه وقال :

– وقولتيه ايه ؟

هزت كتفيها وقالت :

– قولته مش هقدر أسامحه

تنهد “كريم” قائلاً بضيق :

– هتكلم معاه .. أنا لا عايزه يتكلم معاكى ولا يقرب منك

قالت “آيات” بتوتر:

– هو اتكلم معايا بإحترام يعني مضايقنيش .. أقصد يعني متتخانقش معاه

نظر اليها “كريم” متأملاً وهو يقول :

– أنا ما قولتش هتخانق معاه .. أنا قولت هتكلم معاه

ربت على كتفها قائلاً :

– متضايقيش نفسك انتى .. ماشى

أومأت برأسها وابتسامه صغيرة على شفتيها .. تنحنح “كريم” وبدا عليه التردد .. نظرت اليه قائله :

– فى حاجة

ابتسم بخجل قائلاً :

– يعني كنت عايز أسألك عن حاجة كدة

عقدت ذراعيها أمام صدرها قائله :

– اسأل

أخفض من صوته وهو يقول :

– انتى و “إيمان” صحاب من زمان ؟

قالت “آيات” بإستغراب :

– “إيمان” .. أيوة من 4 سنين تقريباً .. بتسأل ليه ؟

قالت بنفس النبرة الخافته :

– ورأيك فيها ايه ؟

ضاقت عيناها وهى تجيب بحيرة :

– رأيى فيها ازاى يعني ؟

– يعني رأيك فيها يا “آيات” .. انتى مش صحبتها يبقى أكبد فى رأى محدد مكوناه عنها

قالت “آيات” مبتسمه بخبث :

– آه .. بصراحة هى بنت محترمة أوى وطيبة أوى وحنينة أوى .. ودمها خفيف .. عايز تعرف ايه تانى ؟

ابتسم “كريم” قائلاً :

– لا خلاص كفاية كدة

اتسعت ابتسامتها وهى تقول بخبث :

– لكن ما قولتليش يعني بتسأل ليه

ضحك قائلاً :

– هتشتغليني يا بنت انتى .. يلا على شقتك

ضحكت قائله بعتاب :

– آه ماشى ما أنا فى البتاع مدعيه وفى البتاع التانى منسيه

– لا متقلقيش هتبقى مدعيه ان شاء الله

هتفت بسعادة كالأطفال :

– بجد يا “كريم” يعني ………

كمم فمها بكفه وقال :

– ششششش متخلينيش أندم انى قولتك .. اسكتى خالص لحد ما اتكلم مع باباها الأول .. ميصحش هى تعرف قبلهم

هتفت بسعادة :

– طيب خلاص ماشى مش هقول حاجة .. بس كلمه بسرعة عشان مش هقدر أتكلم فى نفسى كتير

أطلق “كريم” ضحكة عالية وهو يقول :

– هتقولولى ده انتوا الستات مبتتبلش فى بوقكوا فوله .. تعرفى المثل اللى بيقول لو عايزة تنشرى خبر قوليه لواحدة ست وقوليلها انه سر .. تلاقيه انتشر زى النار فى الهشيم

ضربته فى كتفه بقبضتها وهى تقول :

– بس أحسن لما تيجي تسألنى عنك أطلع فيك القطط الفطسانه

ابتسم قائلاً :

– وأهون عليكى يا “آيات” .. خلاص أنا هسيبك لضميرك

قالت “آيات” وهى تنظر اليه والفرحة فى عينيها لا تستطيع اخفائها :

– بجد أنا فرحنه أوى .. ربا يتمملك بخير يا “كريم” .. انت تستاهل كل خير .. و “إيمان” والله بنت محترمة أوى مش هتلاقى أحسن منها

أومأ برأسه وابتسم قائلاً :

– هستخير الأول ونشوف ربنا هيختارلنا ايه

**************************************

عاد “آدم” الى الشاليه قائلاً لأمه وهو يقبل يديدها ورأسها فى سعادة :

– باركيلى يا ماما .. بركة دعاكى لقيت شغل تانى

ابتسمت أمه فى سعادة قائله :

– بسم الله ما شاء الله .. ربنا يرزقك يا ابنى وينولك كل اللى فى بالك

اتسعت ابتسامته وهو يقول :

– كلمت أستاذ “فؤاد” صاحب قرية الماسة اللى جمبنا .. والحمد لله واقف انى أشتغل فى القرية .. ووافق كمان على شغل “زياد”

تلاشت ابتسامة أمه وهى تقول بعتاب:

– قرية سياحية تانى يا ابنى .. ده أنا مبقتش بحب أطلع بره الشاليه من المناظر اللى بشوفها

قال “آدم” وهو يجذبها من ذراعها ليجلسها بجواره :

– لا متقلقيش القرية دى حاجة تانية خالص .. مش هتلاقى فيها اى حاجة من اللى كنتى بتشوفيها هنا .. بجد قرية محترمة جداً ومديرها راجل محترم أوى

ابتسمت بخبث وقالت :

– آه طبعاً مين يشهد لمدير القرية غيرك

اختفت ابتامة “آدم” وظهر الحزن عى ملماحه .. نظرتا ليه أمه بإهتمام وقالت :

– فى حاجة يا ابنى

تنهد “آدم” بأسى وقال وهو مطرقاً برأسها وقد شبك أصابعه فى بعضها بتوتر :

– اتكلمت مع “آيات” النهاردة واحنا فى القاهرة

– وقالتلك ايه ؟

هز رأيه بأسى وهو يقول :

– قالتلى مش ممكن أسامحك

ربتت أمه عى ظهره وقد ظهر الحزن فى عنيها .. وقالت :

– معلش يا ابنى مفيش حاجة بتيجي بالساهل .. لازم الواحد يتعب ويشقى عشان يوصل للى هو عايزه

أومأ “آدم” برأسه صامتاً .. فقالت بحماس :

– متقلقش أنا هتصرف

التفت اليها قائلاً بإستغراب :

– هتتصرفى ازاى يعني ؟

– مش انت بتقول انك هتشتغل فى القرية بتاعتهم .. يعني أكيد هتمشى من هنا ونروح نعد فى القرية التانية .. يعني أكيد هنتقابل أنا وهى .. أنا بأه هعد معاها وهتكلم معاها يمكن أعرف أحنن قلبها عليك

نظر اليها “آدم” بلهفه وقال :

– بجد يا ماما .. ربنا يكرمك يارب

ربتت على ظهره وقالت مبتسمه :

– متشلش هم أنا هتصرف

*************************************

وقفت “أسماء” غير منتبهه لذلك الشاب الذى يقف على بعد خطوات منها ويلقى عليها بنظرات متفحصة من رأسها الى أخمص قدميها .. كانت تمسك فى يدها احدى الأورق تتفحصها بعناية .. بدأ الشاب فى الإقتراب منها قائلاً :

– لو سمحتى هو الأتوبيس بيعدى من هنا ؟

نظرت اليه ببرود وقالت :

– خفه

ابتسم بينما يقترب منها أكثر وقال :

– طيب قوليلى انتى حلوة على طول كدة ولا بالنهار بس ؟

فجأة استمعا صوتاً من خلفهما يصيح :

– لم نفسك يله

التفت كلاهما .. خفق قلبها عندما وجدت “على” قادماً خلفها يرمق الشاب بنظرات غاضبة .. التفت اليه الشاب ببرود وقال :

– حد كلمك يا كابتن

أشار اليه “على” برأسه قائلاً :

– اتفضل من هنا

عقد الشاب ذراعيه أمام صدره وهو يقول بعناد :

– ولو متفضلتش

هتفت “أسماء” بحده :

– على فكرة دة نائب مدير القرية يعني لو متحركتش من هنا بنفسك هيجيب السيكيوريتي يحركوك

نظر الشاب اليهما شزراً ثم غادر بصمت .. التفتت “أسماء” تنظر الى “على” مبتسمة وهى تقول :

– متشكرة أوى

لم يجيبها .. بل رمقها بنظرة غاضبة ثم التفت ليغادر .. اختفت ابتسامة “أسماء” ثم سارت خلفه وهى تقول :

– فى ايه ؟ بتبصلى كده ليه

التفت اليها وقال دون أن ينظر اليها :

– مفيش

عاد يكمل سيرة فأوقفته مرة أخرى بقولها :

– طبعاً هتقولى ان أنا اللى غلطانه عشان لابسه ضيق وحاطه ميك آب

التفت اليها وقال :

– طالما انتى شايفه كده .. يبقى مش محتاجه تسمعى نفس الكلام منى .. ده غير ان الموضوع ده ميخصنيش انتى حره فى لبسك

بلعت ريقها بصعوبة و عقدت جبينها وهى تقول بتوتر :

– على فكرة أى واحدة دلوقتى بتتعاكس سواء لابسه محترم أو لأ .. كده كده بتتعاكس

نظر الى الأرض وقال بحزم :

– آه بس فى فرق بين واحدة بتتعاكس .. واحد بيرمى عليها كلمة وهو معدى من جمبها .. وبين انه يتجرأ ويقرب منها بالشكل ده ويتكلم معاها أكنه واثق من انها هتستجيب لكلامه

قالت بحده :

– قصدك ايه بأستجيب لكلامه .. أنا مكنتش هستجيب لكلامه طبعاً ولو مكنتش انت جيت أنا كنت هزأته بنفسى

قال بنفس الحزم :

– أنا ما قولتش انك كنتى هتستجيبى أنا قولت هو كان واثق انك هتستجيبى لان لبسك عنوان ليكي .. اللى بتلبس ضيق وهى ماشية فى الشارع أكيد بتعمل كده عشان تلفت الانتباه ليها .. ما هى لو بتعمل كده عشان نفسها عندها بيتها تلبس فيه اللى هى عايزاه

صمتت وقد عقدت حاجبيها وهى تنظر اليه .. فأكمل “على” بهدوء :

– أظن الكلام ده انتى عارفاه كويس اوى .. وأظن انه اتقالك قبل كده لان صحابك كلهم مـــ …….

قطع كلمته .. فقال بصوت مرتجف :

– كمل .. صحابك كلهم محترمين مش كدة ؟ .. كنت هتقول كده مش كده ؟

صمت “على” وهو يعض على شفتيه كأنما ندم على كلمته .. لمعت عيناه بالدموع وقالت بصوت كمن أوشك على البكاء :

– مش معنى انى بلبس كده انى مش محترمة

غادرت مسرعة قبل أن يرى تلك العبره التى تساقطت فوق وجنتها .. وقف “على” مكانه وهو يزفر بضيق شديد !

*************************************

صعدت “إيمان” الدرج الى شقة والدتها .. لكنها فوجئت بـ “كريم” فى وجهها ينزل السلم .. شعرت بالدهشة فأخفضت رأسها ووقفت فى مكانها حتى ينزل .. لكنه توقف وأشار اليها قائلاً :

– اتفضلى

ارتبكت بشدة وأكملت صعودها شعرت بأنه ينظر تجاهها .. حانت منها التفاته اليه .. لتتأكد بالفعل من أنه يركز أنظاره عليها .. استغربت ذلك بشدة واشاحت بوجهها على الفور .. نزل الدرج وهى تصعد مسرعة مندهشة كيف ينظر اليها هكذا .. هذه هى المرة الأولى التى تراه ينظر اليها دون أن يغض بصره ! .. فتحت والدتها الباب وجذبتها من يدها و ……. أطلقت زغروته خافته .. نظرت اليها “إيمان” بدهشة وهى تقول :

– ايه فى ايه ؟

جذبتها أمها من ذراعها تبتعد عن الباب وهى تقول :

– ارقصى يا “إيمان” .. افرحى يا “إيمان” .. زغرطى يا “إيمان”

نظرت اليها “إيمان” وقد اتسعت عيناها دهشة وهى تقول :

– ايه اللى حصل يا ماما

قالت والدتها وهى لا تستطيع تمالك نفسها من الفرحة :

– أستاذ “كريم” طلب ايدك من أبوكى

اتسعت عينا “إيمان” وفغرت فاها فى دهشة وتعالت خفقات قلبها وهى تقول :

– ايه ؟

قالت أمها بحماس ممزوج بالفرح :

– والله زى ما بقولك .. مش قولتلك .. المحشى والبط جبوه على ملا وشه .. ابقى اسمعى كلام أمك بعد كده

صاحت “إيمان”:

– محشى وبط ايه يا ماما .. طيب قوليلى كلمة عدله .. قوليلى انه معجب بيكي يا “إيمان” .. مش محشى وبط

اختفت ابتسامة “إيمان” وهى تنظر الى أمها بشك وقالت :

– ماما أوعى تكونى بتضحكى عليا والله العظيم أروح فيها .. ماما مفيناش هزار فى الحاجات دى

أطلقت أمها ضحكة عالية وهى تقول :

– يا بت والله حصل .. حتى اسألى أبوكى أهو آعد جوه فى البلكونه

فى تلك اللحظة خرج والدها وابتسم ليها قائلاً برزانه :

– مبورك يا “إيمان” يا بنتى .. والله الجدع شكله طيب وابن حلال .. جهزى نفسك النهاردة ان شاء الله عشان هييجى يعد معاكى

قالت وقلبها يقفز فى فرح :

– النهاردة

قالت أمها :

– أيوة يا بت عشان تتكلموا مع بعض قبل ما يتكلم مع أبوكى فى تفاصيل الجوازة

اتسعت ابتسامة “إيمان” ومشاعر كثيرة بداخلها .. فرح .. سعادة .. تفائل .. راحة .. خوف .. اضطراب … حــب !

**************************************

– ما تزوقيني يا ماما أوام يا ماما .. ده عريسي هيجي يعد معايا النهاردة يا ماما

هتفت “آيات” بتلك العبارة وهى تلف حجاب “إيمان” .. قالت “إيمان” بمرح طفولى :

– يلا يا “آيات” عشان ألحق أطلع قبل ما ييجي

ضحكت “آيات” قائله :

– طيب يا بنتى خلصت أهو

انتهت “آيات” فقامت “إيمان” تنظر الى نفسه فى المرآة .. تأملتها “آيات” قائله :

– على فكرة يا “إيمان” اتى خسيتى

التفتت اليها “إيمان” قائله بلهفة :

– بجد يا “آيات”

– أيوة يا بنتى والله خسيتى .. انتى بمتوزنيش نفسك ولا ايه

– لا بخاف أوزن نفسى عشان ميجليش احباط مع انى ماشية على دايت وعلى الرياضة مبفوتش يوم

تأملت نفسها فى المرآة بسعادة وهى تقول :

– الحمد لله انه جه بفايده لو مكنتش خسيت كان زمانى محبطة .. ماما امبارح فضلت تصر عيلا آكل محشى وبط بس قولت أبداً .. مش الىل عماله أعمله من ساعة ما جيت تيجي ماما تضيعهولى فى يوم

توجهت “إيمان” الى الباب قائله بمرح :

– هطلع أساعد ماما .. وانتوا متتأخروش

قالت “آيات” وهى تودعها على الباب :

– متقلقيش هلبس أنا و “أسماء” ونطلعلكوا على طول

توجهت “آيات” الى غرفتها .. وجدت “أسماء” جالسه على فراشها فى الظلام .. أضاءت النور فقالت لها “أسماء” على الفور :

– سبيه مقفول

أطفأته “آيات” ونظرت الى “أسماء” بدهشة قائله :

– أعدة فى الضلمة ليه

تمتمت “آيات” بوهن :

– عادى

جلست “آيات” بجوار “أسماء” على الفراش وهى تتأملها قائله :

– لا مش عادى .. مالك يا “أسماء” .. انتى كنتى بتعيطى

قالت “أسماء” بحده :

– مماليش .. “آيات” لو سمحتى سبينى لوحدى

– مش هتطلعى معايا لـ “إيمان”

– لا مش طالعة .. لو سمحتى سبينى لوحدى

– مالك يا “أسماء” ايه اللى مضايقك

قفزت العبرات على عينيها وهى تقول بحده :

– قولتلك مفيش .. عايزة أعد لوحدى .. لو سمحتى يا “آيات”

نهضت “آيات” وهى ترمقها بنظرات حزينه قلقة .. عادت “أسماء” الى شرودها ووجومها !

*************************************

خفق قلب “إيمان” بقوة وهى تسمع جرس الباب ثم ترحيب أبويها وأخيها بـ “كريم” .. وقفت تردد بعض الآيات القرآنية علها تهدئ من روعها .. لكن هيهات .. كانت تقرأ بلا تركيز .. ابتسمت “آيات” وهى تتأملها قائله :

– يا عيني .. وشك أصفر زى اللمونه .. كل ده من أخويا “كريم”

التفت اليها “إيمان” قائله :

– “آيات” اسكتى دلوقتى أنا مش قادرة أتلم على أعصابى

ضحكت “آيات” وقالت :

– أمال هتخرجى تعدى معاه ازاى

احمر وجهها بشدة وهى تقول :

– مش عارفه .. انا مش هقدر أخرج .. بجد مش هقدر .. اطلعى قوليله يفوت علينا يوم تانى

أطلقت “آيات” ضحكة عالية وهى تقول :

– حلوة فوت عيلنا يوم تانى دى

تظاهرت بالخروج وهى تقول :

– خلاص من عنيا هروح أقولها كده

جذبتها “إيمان” من ذراعها وهى تهتف :

– انتى ما بتصدقى .. كنى هنا .. خليني اعرف أسمع اللى بيحصل بره

بعد دقائق دخلت والدتها قائله بحماس :

– يلا يا “إيمان” .. تعالى قدمى العصير عشان تعدوا تتكلموا مع بعضيكوا .. الراجل مستنى بره

قالت “إيمان” وقد شعرت بأنها على وشك البكاء :

– لأ مش عايزه .. مش هقدر اخرج .. هو لازم يعني يتكلم معايا

نظرت اليها أمها وقد اتسعت عيناها وهى تقول :

– يلا يا بت بلاش دلع الراجل مستنى بره

ثم تأملتها هاتفه :

– ايه ده يا منيلة .. ما تحطى حاجة على خلقتك دى .. استنى أما أجبلك قلم الكحل وصباع الروج بتاعى

أوقفتها “إيمان” قائله بحزم :

– مش هحط حاجة ريحي نفسك

شهقت أمها قائله بغيظك :

– يا بت اسمعى كلامى يا بت .. حطى اى حاجة على خلقتك تديكي منظر

– قولتك لا يا ماما

تدخلت “آيات” قائله :

– متقلقيش يا طنط هى كده زى القمر مش محتاجة حاجة .. وبعدين “كريم” عارف انها مبتحطش ميك آب

قالت وهى تغادر:

– انتوا حرين .. بنات فقر صحيح . يلا يا “إيمان” انجزى

وقفت “إيمان” وهى تشعر بأن قدميها تصطكان ببعضهما البعض .. ظلت تردد بعض الأذكار .. وهى تأخذ من والدتها الصنية .. اهتزت الأكواب من رعشة يديها واضطرابها فاعطتها الى والدتها مرة أخرى قائله :

– بقولك ايه شيليها انتى .. انا لو خدتها ودخلت بيها هتدلق منى وهيبقى شكلى زبالة

قالت أمها بتبرم :

– آه يانى .. طيب ادخلى .. خلصينا الراجل مستنى

كادت “إيمان” أن تبكى وهى تقول :

– طيب ناجلها ليوم تانى

اتعت عينا أمها وهى تنظر اليها وقالت بحزم وهى تضغط على أسنانها :

– “إيمان” .. اتنيلى ادخلى متفقعيش مرارتى

دخلت “إيمان” مطرقة الرأس وقد تحولت بشرة وجهها البيضاء الى اللون الأحمر ..نسيت أن تلقى السلام .. جلست بسرعة على أول مقعد وجدته أمامها .. لا تدرى حتى أين يجلس “كريم” .. سمعت والدها يقول :

– منور يا أستاذ “كريم”

أتاها الصوت من المقعد المجاور لها :

– ده نورك يا عمى

قالت فى نفسها : يا دى الخيبة .. هو انت اللى آعد جمبي .. هتفتكر دلوقتى انى ما صدقت وروحت أعده جمبك !

ودت لو نهضت من مقعدها وتخير مقعد آخر بعيد عنه .. لكنها لم تجد فى قدميها القدرة على حملها .. كاد قلبها أن يتوقف عندما التفت “كريم” اليها قائلاً :

– ازيك يا آنسة “إيمان”

كان هذا هو أول حوار مباشر يجريه معها منذ اجتماعهما الأول والذى انتهى بخروجها من الإجتماع بغضب .. توترت للغاية فلم تستطيع الرد .. حاول كثيراً الحديث معها .. لكنها شعرت كما لو أن لسانها قد قُطع من فمها .. لم تجد فى نفسها الجرأة على الرد عليه على الإطلاق .. كان أخيها وأبيها يجيبان بالنيابة عنها .. شعرت بأنها ما هى الا لحظات وستفقد وعيها .. جلست تلك الجلسة مرات عديدة من قبل .. لكن تلك المرة الأمر مختلف .. لأن هذه المرة قلبها يخفق لهذا الرجل الجالس بجوارها .. انتهت الزيارة بعدما قال “كريم” لأخيها وأبيها :

– هنتظر الرد وول فى قبول .. يبقى أفضل كتب كتاب على طول لأن الخطوبة بالنسبة لنا مش هيبقى ليها لزمة

عادت “إيمان” الى غرفتها وهى تشعر أنها فى حلم تخشى الاستيقاظ منه .. حلم خافت أن تغمض عينيها حتى لا تفقد لحظة واحدة من الشعور به

*************************************

تلقى “كريم” خبر انضمام “آدم” و “زياد” الى القرية بمزيج من القلق والضيق .. قال “فؤاد” عبر الهاتف :

– أنا عارف المشاكل الى حصلت بس فعلا الرجل عنده خبره كبيره خو وصاحبه وهيبقوا أكيد مكسب للقرية

قال “كريم” شارداً :

– مع حضرتك فى كده .. بس حضرتك عارف اللى حصل واللى اتنشر فى الجرايد

– لا متقلقش يا “كريم” .. أصلاً الأخبار دى بتتنسى ومحدش بيفتكرها وكمان هما لا ممثلين ولا ناس مشهورة عشان الوحد يفتكر خبر زى ده عنهم .. ده غير القضية اللى انت رافعها على الجريدة واللى أكيد بتثبت ان الخبر ده كذب

قال “كريم” بضيق :

– مش عارف .. برده مش مرتاح لشغله فى القرية .. يعنى حضرتك عارف انه كان بيتشغل فى جولدن بيتش وانت عارف جولدن بيتش عامله ازاى .. هو لو متوقع انه هيعمل هنا ما بداله يبقى غلطان

قال “فؤاد” على الفور :

– لا اطمن .. هو عارف القوانين كويس وأكيد هيلتزم بيها .. وبصراحة أنا شايفها فرصة هايلة بالنسبة لنا انه يبقى من فريق عمل القرية لأن لا أنا ولا انت لينا خبرة فى المجال ده

تنهد “كريم” بإستسلام قائلاً :

– طيب ربنا يقدر الخير

***************************************

اتصل “كريم” بأبويه ينبئهما بالخبر السعيد .. هتفت أمه قائله :

– أخيراً هتفرح قلبي

ابتسم قائلاً :

– أوية أخيراً

– قولى حلوة

زى القمر .. لما تشوفيها هتحبيها طيبة وبنت حلال

– باباها وماماتها بيشتغلوا ايه

– باباها على المعاش وماامتها ست بسيطة بمتشتغلش .. هما ناس بسيطة اوى بس محترمين جداً .. أخوها شغال معايا فى القرية النائب بتاعى راجل محترم وأخلاقه عاليه

قالت “أمه بسعادة :

– بنا يتمملك على خير يا “كريم”

– انتوا باه هتنزلوا امتى .. أنا عايز أكتب الكتاب على طول

– للأسف لا أنا ولا باباك هنعرف ننزل قبل 4 شهور على الأقل

هتف “كريم” :

– 4 شهور .. لا انتوا كده تنزلوا على الفرح بأه

– طيب يا “كريم” خليها خطوبة دلوقتى ولما ننزل اكتب الكتاب

– خطوبة ايه يا ماما .. و 4 شهور كمان .. ولا ليها أى لازم بالنسبة لى لا هعرف اتكلم معاها براحتى ولا هعرف أشوفها براحتى .. لا أنا هكتب الكتاب دلوقتى وانتى وبابا لما تنزلوا يبقى الفرح ان شاء الله

– طيب اديني رقمها عشان أكلمها

– مش معايا رقمها هجيبه من أخوها وأبعتهولك فى رسالة .. بس لما يردوا عليا لانهم لسه مردوش

– يا حبيبى هو فى بنت هتلاقى واحد أحسن منك .. مبروك مقدماً

جاء رد “إيمان” وأهلها بالموافقة .. وتم الاتفاق على كتب كتابهما فى نهاية الإسبوع فى قرية المــاســة !

************************************

– “سمر” هستناكى ولو مجتيش بجد هزعل منك

هتفت “إيمنا” بهذه العبارة وهى تتحدث الى “سمر” التى قالت :

– بتهرجى لا طبعاً لازم هاجى .. ألف مليون مبروك يا “إيمان” ربنا يتمملك على خير

قالت “إيمان بحماس :

– اعملى حسابك انك هتعدى معانا شوية انتى وطنط .. الشقة اللى احنا أعدين فيها ..فيها 3 أوض و”أسماء” بتبات مع “آيات” ففى أوضة فاضية طنط تاخده وانتى تباتى معايا

– خلاص اتفقنا هقول لماما وآهى فرصة الواحد يغير جو كام يوم ده أنا مطحونة فى الشغل يا بنتى

– خلاص اتفقنا بجد .. متتصوريش أنا فرحانه أد ايه انى هشوفك

– أنا اللى فرحانه جدا انى هشوفك انتى و “آيات” و “أسماء”

*************************************

فى اليوم الموعود .. كان نفس اليوم الذى تسلم فيه “آدم” و “زياد” عملهما فى القرية .. شعر “كريم” ببعض القلق من وجود “آدم” .. خاصة بعدما عرف من “آيات” أنه تحدث معها يوم أن كانوا فى القاهرة .. لذلك قال له بحزم :

– وجودك فى القرية أكيد هيفيدنا كتير يا دكتور .. بس ياريت تبقى وجودك هنا للشغل وبس

نظر اليه “آدم” وقد أدرك ما يقصده .. فأكمل “كريم” بنفس الحزم :

– ماشى يا دكتور ؟

قال “آدم” بهدوء :

– أنا مستحيل أضايق “آيات” .. أو أأذيها .. متقلقش منى

أقبل “زياد” وهو يربت على كتف “كريم” قائلاً بمرح :

– مبروك يا عريس

ابتسم “كريم” قائلاً :

– الله يبارك فيك يا “زياد” عقبالك ان شاء الله

قال “آدم” مبتسماً :

– يلا روح انت ربنا يعينك أكيد وراك حاجة كتير .. متقلقش أنا و “زياد” هنا

أومأ “كريم” برأسه والتفت الى “زياد” وقال :

– مستميك ان شاء الله متتأخرش

– طبعاً ودى تيجى

ثم نظر الى “آدم” قائلاً بحرج :

– وانت كمان يا دكتور ياريت تنورنا

كان “آدم” بعلم أنها ما عزمه الا مضطراً ومجاملاً ليس إلا . .لكن “آدم” ما كان ليترك فرصة تقربه فيها من “كريم” .. عله يغير الفكرة التى كونها من كلام “آيات” عنه .

تعالت الزغاريد .. ارتدت “إيمان” فستاناً وردى اللون .. ووضعت القليل من مساحيق التجميل والتى أبرزت جمالها .. صففت لها “آيات” شعرها بعناية بشكل جميل .. كانت سعيدة وهى تنظر الى نفسها فى المرآة وقد بدت بشكل لم تتوقع أن تراه فى مرآتها يوماً ..

جاءها اتصال من “سمر” تخبرها بأنهما على مشارف القرية .. خرجت “إيمان” وقالت لـ “على” بلهفة :

– “على” ربنا يكرمك .. “سمر” ومامتها أدام البوابة ممكن تروح تجيبهم

توجه “على” الى البوابة فوجد سيارة تقودها سيدة كبيرة وبجوارها “سمر” .. هز رأسه واقترب من المرأة قائلاً :

– أهلاً وسهلاً

ابتمست قائله :

– أهلاً بيك

أشار لها “على” بالطريق الذى يجب أن تسير فيه .. فقالت له :

– طيب اركب معانا

قال بحرج :

– لا اتفضوا

رمقته “سمر” بطرف عنيها قبل أن تنطلق أمها بالسيارة .. كان لقاء الفتاتان حاراً :

– وحشتيني أوى أوى أوى

– انتى كمان يا “سمر” وحشتيني أوى

كادت الدموع أن تفر من عيني “إيمان” فصاحت “آيات” :

– لا أبوس ايدك أنا ما صدقتش انى ظبطته

تعانقت “آيات” و “سمر” فى اشتياق وكل منهما سعيدة برؤية الأخرى

التفتت “سمر” قائله :

– أمال فين “أسماء”

قالت “آيات” بحزن :

– تحت تعالى ننزلها

**************************************

حضر المأذون .. و … تم زواج “كريم” و “إيمان” وسط فرحة الأهل والأصدقاء .. لم تتوقف والدة “إيمان” عن الزغاريد كانت سعادتها لا توصف بالكلمات ولا بالعبارات .. بكت أكثر من مرة وهى تتطلع الى ابنتها التى قالت بمرح :

– ماما محسسانى انى اتجوزت خلاص .. ده كتب كتاب يعني أعدالك مش راحه فى حته

استأذن “كريم” ليدخل للعروس يُلبسها شبكتها .. صاحت “إيمان” فى لوعة :

– لازم يعني ؟

ضحكت “آيات” قائله :

– لا مش لازم خالص .. ربنا معاك يا أخويا يا حبيبى

دخل “كريم” متوجهاً اليها وقفت وهى تنظر أرضاً وهى تسمع صوت خفقات قلبها المضطرب داخل صدرها .. مد يده اليها .. فتسمرت مكانها وهى تفرك يديها بتوتر .. ضحك ضحكة خافته وهو يقول :

– مش هاكلها متخفيش .. أنا هلبسك الشبكة بس

أطلقت “آيات” ضحكة عالية

بينما أطلقت “سمر” وأمها ضحكات خافته .. نظرت اليها والدتها قائله :

– بت يا “إيمان” اخلصى

كادت أن تبكى وهى تتمتم بصوت مضطرب :

– هلبسها أنا

ابتسم “كريم” قائلاً :

– طيب ماشى .. ممكن ألبسك الدبلة على الأقل

أومأت برأسها وهى مازالت تنظر أرضاً .. وبعد عناء ومجاهدة للنفس .. مدت يدها لترسى الكهرباء فيها بعدما التقطها “كريم” فى راحته .. ألبسها دبلتها وهى لم تستطع منع تلك البسمة التى قفزت الى شفتيها .. أعطاها دبلته الفضية لتلبسه اياها .. اختفت ابتسامتها وهى تقول بصوت خافت :

– لازم ؟

ضحك بخفوت قائلاً وهو يرتديها بنفسه :

– لا مش لازم دلوقتى نأجلها بعدين

أطلقت والدة “إيمان” زغروته عاليه .. خرج “كريم” يستقبل التهانى بالخارج .. بينما جلست “إيمان” مع صديقتيها وهى تشعر بسعادة لم تشعر بها من قبل

انحنت “آيات” على “سمر” قائله :

– هنزل أشوف “أسماء” وآجى

أومأت “سمر” برأسها .. خرجت “آيات” من الشقة .. لكن فجأة تجمدت فى مكانها وهى ترى “آدم” الواقف أمام الباب يتحدث فى الهاتف .. أغلق سريعاً بمجرد أن رآها .. نظرت أرضاً .. وبدأت فى نزول الدرج .. هتف قائلاً :

– “آيات” .. ممكن بس أقولك حاجة

قالت وهى تستمر فى النزول دون أن تلتفت اليه :

– لا مش ممكن

نزل مسرعاً ووقف أمامها يعترض طريقها .. نظرت اليه بغضب وصاحت :

– ابعد لو سمحت

وقف أمامها بعناد قائلاً :

– اسمعينى الأول

صاحت بحده :

– مش عايزه أسمعك .. ابعد من أدامى

– “آيات” أنا عارف انى غلطت .. بس أنا كنت مضطر .. ليه مش عايزه تفهمى

نظرت اليه بإحتقار قائله :

– وأنا كنت فى الشارع من غير بيت ومن غير فلوس لكن معملتش زيك .. رغم انى بنت وضعيفه .. وكان ممكن أضيع نفسي .. بس أنا حافظت على نفسى لانى مش دى أخلاقى ولا دى تربيتي

أطرق “آدم” برأسها وقد آلمه كلامها بقدر ما آلمه نظرة الإحتقار فى عينيها .. ابتعد وأفسح لها الطريق .. نزلت مسرعة وهى تحاول منع الدموع من التجمع داخل عينيها .. توجهت الى غرفة “أسماء” فوجدتها تقف فى الشباك .. اقتربت منها قائله :

– “أسماء” أعده هنا لوحدك ليه .. يا بنتى اطلعى اعدى معانا

التفتت اليها “أسماء” وقالت بوجوم :

– لا مش عايزه .. اطلعى انتى

وقفت “آيات” بجوارها وهى تقول بحنان :

– طيب قوليلى مالك

سقط ضوء القمر على عينيها فلمعت فيهما الدموع .. ثم نظرت الى “آيات” قائله بصوت باكى :

– حسه ان مليش مكان بينكوا

قالت “آيات” وهى تربت على ظهرها :

– ليه بتقولى ده

صاحت “أسماء” وهى تبكى :

– عشان هى دى الحقيقة .. أنا فعلاً مليش مكان هنا .. بس أنا مش عارفه أروح فين .. انا لو فكرت أمشى من هنا مش هعرف أروح فى حته

قالت لها “آيات” بحنان :

– وليه عايزة تمشى من هنا يا “أسماء” .. فى حد ضايقك ؟

أطرق برأسها وهى تهزها نفياً وتقول بصوت خافت :

– لا مفيش حد ضايقنى

– لا أنا حسه ان فى حد ضايقك .. انتى كنتى كويسه .. لكن بقالك كام يوم مش مظبوطة خالص .. أكيد فى حاجة حصلت

مسحت “أسماء” عبراتها وهى تقول :

– لا متشغليش بالك .. يلا اطلعى عشان “إيمان”

قالت “آيات” بإصرار :

– مش هطلع الا اذا طلعتى معايا

نظرت اليها “أسماء” بحزم وهى تقول :

– أنا مش هطلع .. اطلعى انتى لو سمحتى .. انا بجد حبه أفضل لوحدى شوية .. معلش يا “آيات” بس فعلاً مش حبه أتكلم فى أى حاجه

قالت “آيات” بإستستلام وهى ترمقها بنظرات حزينه :

– طيب خلاص زى ما تحبي .. بس أتمنى فعلاً تفتحيلى قلبك وتقوليلى فى ايه .. أنا مبخبيش عنك حاجة أى حاجة بحكيهالك .. بس انتى على طول كدة بتشيلي جواكى ومبتتكلميش

لمعت العبرات فى عينيها مرة أخرى وهى تقول :

– أنا كويسة متقلقيش

عادت “أسماء” تتطلع من الشباك وتغرق فى شرودها من جديد

..تابع..

استأذن “كريم” من والد “إيمان” فى الخروج برفقتها .. بدلت “إيمان” ملابسها وأزالت المكياج .. واستعدت للخروج برفقة “كريم” .. انصرفا معاً وهى تشعر بالتوتر الشديد لخروجها لأول مرة بصحبة رجل .. حاولت أن تقنع نفسها بأن هذا الرجل أصبح زوجها .. لكنها لم تستطع على الرغم من ذلك اخفاء توترها واضطرابها وشعورها بشئ غريب ليست معتاده عليه من قبل .

قبل أن تنصرف “آيات” برفقة “سمر” ووالدتها .. أقبلت عليها والدة “إيمان” قائله :

– خدى يا “آيات” الطبق ده بتاع “أسماء” .. أنا مش عارفه مطلعتش ليه وفضلت أعده لوحدها تحت كده

توقف “على” عن جمع الأطباق بعدما استمع الى ما قالته أمه .. سمع “آيات” تجيب :

– والله ما عارفه يا طنط اترجتها كتير بس مرضيتش خالص وشكلها مضايقة ومش راضية تقولى ايه اللى مضايقها .. أكيد حاجة فى الشغل ضايقتها

– طيب يا حبيبتى اديها الطبق ده والحاجة الساقعة عقبال ما افرح بيكوا كلكوا ان شاء الله

تنهد “على” بضيق وهو يشعر بأنه السبب فى ذلك .. بعدما تحدث معها بهذا الحديث الذى ضايقها وجرحها

************************************

جلست “إيمان” أمام “كريم” على الطاولة فى ذلك المكان الهادئ .. تنظر الى يديها اللاتان تعرقتا من كثرة فركها اياهما .. رفعت نظرها لتتلاقى نظراتها بنظرات “كريم” فأخفضت عينيها على الفور .. ابتسم لها قائلا :

– طيب بلاش تبصيلي .. اتكلمى

لم تجيب .. فقال :

– تعرفى انك من يوم ما جيتي القرية دى وأنا مسمعتش صوتك

ظلت مطرقة برأسها وتوترها يتزايد .. فقال :

– طيب هسألك سؤال بسيط .. انتى وافقتى عليا ليه

حاولت التحدث فلم تستطع .. تنهد “كريم” قائلاً وهو يرجع ظهره للخلف :

– شكلك هتتعبيني

رفعت عينيها تنظر اليه تتبين هل هو غاضب منها أم لا .. لكنه فاجأها بإبتسامته العذبة ونظرات عينيه المرحة .. فابتسمت وهى تبعد عينيها عنه .. فقال بمرح :

– طيب على الأقل بتبتسمى .. أحسن الناس لو بصت علينا هيفتكرونى خاطفك

تمتمت بصوت خافت :

– أنا بس متوترة شوية

أسند مرفقيه على الطاولة وهو يقول مبتسماً :

– لا ما أنا شايف مش محتاجه تقوليلى

ثم تمتم بعتاب :

– كده متلبسينيش الدبلة ؟

قالت بصوت مضطرب :

– معلش

– ايه معلش دى .. أصرفها منين يعني .. فى عروسة ترفض تلبس عريسها الدبلة

نظرت اليه وقد عقدت جبينها وهى تقول :

– معلش مكنش قصدى أضايقك

نظر اليها بمرح قائلاً وهو يشير الى الدبلة فى اصبعه :

– ماشى بس خلى بالك أنا لبستها لنفسى مؤقتاً بس

ابتسمت وقد أطرقت برأسها فى خجل

انتهت سهرتهما وعادا الى البناية .. شعرت “إيمان” بسعادة كبيرة فقد استمتعت طيلة السهرة بشخصيته المرحة ابتسامته العذبة حتى وإن لم تتحدث معه الا قليلاً .. لكنها كانت سعيدة لأنه لم يظهر ضيقه منها لهذا السبب .. بل أبدى تقديراً لموقفها ولمشاعرها .. توقفا أمام بابيهما المتلاصقين .. التفت اليها “كريم” مبتسماً وهو يقول :

– ايه رأيك نتغدى مع بعض بكرة

ابتسمت بخجل وقالت مطرقة برأسها :

– ان شاء الله

نظر اليها قائلاً :

– طيب بصيلي طيب

حاولت فلم تستطع .. توترت قائله :

– انا هدخل بأه

قال “كريم” :

– ماشى اتفضلى

التفتت لفتح الباب .. فوجئت به يمسك ذقنها ويدير وجهها اليه .. نظرت اليه لتتلاقى عيناهما للحظات .. قال مبتسماً :

– تصبحى على خير

صمتت لبرهه .. ثم تمتمت بصوت خافت وهى مازالت تنظر الى عينيه التى شعرت بوجود قوة مغناطيسيه تجذبها اليهما :

– تصبح على خير

ألقت “إيمان” بنفسها فوق فراشها والابتسامه على محياها .. لم تجد فى نفسها الرغبة للنهوض وتبديل ملابسها .. فقد جلست سابحة فى فضاء خيالها تتذكر تلك الليلة بكل تفاصيلها .. لا تدرى الى كم من الوقت ظلت هكذا فى مكانها بلا حراك .. سمعت رنينن هاتفها فوجدت رقماً غريباً .. خمنت أنه لـ “كريم” .. فلم تعتاد اتصال أرقام غريبة بها وفى هذا الوقت .. رد قائله بصوت خافت :

– السلام عليكم

أتاها صوته :

– وعليكم السلام .. صحيتك

قالت بسرعة :

– لا أصلاً لسه منمتش

قال بحنان :

– أنا بس اتصلت أقولك انى النهاردة مش عايز أظبط المنبه عشان يصحيني للفجر .. عايزك انتى تصحيني .. ممكن ؟

اتسعت ابتسامتها وهى تقول :

– ممكن

صمت قليلاً ثم قال بخفوت :

– خلاص هعتمد عليكي .. تصبحى على خير

– وانت من أهل الخير

كان بينها وبين الفجر عدة ساعات .. لكها علمت أنها لن تستطيع النوم .. أسندت رأسها الى وسادتها والبسمة لا تفارق ثغرها !

الفصل الثامن والعشرون

نصلي على رسول الله أولا

فى صباح اليوم التالى استيقظت كل فتاة منهن بمشاعر مختلفة عن الأخرى .. استيقظت “إيمان” ببسمة على ثغرها وخفقات قلبها التى تشى بسعادتها وهنائها .. ولمعة عينيها التى تراها لأول مرة وهى تنظر فى مرآتها .. نظرت الى تلك الدبلة التى تزين أصابعه وأخذت تتحسسها فى سعادة .. “أسماء” استيقظت مثقلة القلب بالهموم .. كسيرة الفؤاد .. حزينة العينين .. تحاول التغلب على ما بداخلها والتظاهر بأنها أفضل .. “سمر” استيقظت وهى ترى بشائر الصباح من الشرفة .. تتطلع الى البحر أمامها وهى تفتح لهوائه رئتيها لتعبئها برائحته الذكية المنعشة .. شعرت كالطائر الحر الذى يسبح فى الفضاء الشاسع .. لكن قلب هذا الطائر يتمنى بشدة أن يجد وليفه الذى يركن اليه .. ويسكن اليه .. ويطمئن لقربه .. “آيات” استيقظت على مشاعر .. غضب .. ألم .. جراح .. أحزان .. ذكريات مريرة .. لكن تتخلل كل تلك المشاعر القاسية .. لمسة من .. حنين !

ابتدأ اليوم بتلك المشاعر التباينه على الفتيات الأربعة .. فنبدأ معاً أحداث هذا اليــوم العجيــب !

دخلت “آيات ” المطبخ لتسمع ضحكات ومزاح “إيمان” و “سمر” اللاتان تعدان طعام الإفطار فحيتهما مبتسمة :

– صباح الخير

التفتت الفتاتان اليها :

– صباح النور

– صباح النور

خرجت “أسماء” من الحمام وحاولت رسم بسمة على شفتيها وهى تقبل “إيمان” قائلاً :

– ألف مبروك يا “إيمان”

قالت “إيمان” وهى تتظاهر بالغضب :

– لا أنا زعلانه منك بجد

– والله عارفه انك أكيد علانه .. بس فعلاً أنا كنت تعبانه .. معلش ملحوقه تتعوض فى فرحك ان شاء الله

التفت الأربع فتيات حول طاولة الطعام .. قالت “سمر” :

– طبعاً هتسيبونى وتروحوا شغلكوا

ابتسمت “آيات” قائله وهى تلوك الطعام فى فمها :

– أيوة طبعاً أمال عايزانا نعد جمبك ولا ايه

قالت “سمر” بحزن :

– طيب هعمل أنا ايه لوحدى .. هحس بملل فظيع

قالت “إيمان” ملتفته الى “آيات” :

– متخلى “سمر” يا “آيات” تروح العيادة بدل الدكتورة اللى واخدة أجازة النهاردة

هتفت “آيات” :

– والله فكرة

قالت “سمر” بإستغراب :

– عيادة ايه

قالت “آيات” شارحة :

– افتتحنا عيادة أطفال هنا فى القرية .. عيادة صغيرة بس ما شاء الله الإقبال عليها حلو أوى .. بس الدكتورة اعتذرت لمدة اسبوع .. ايه رأيك لو حسيتى انك هتملى تعالى اعدى فيها شوية

قالت “سمر” بحماس :

– أكيد طبعاً .. أنا أصلاً رغم ارهاقى فى الشغل إلا انى بعشقه ..بجد بعشق الأطفال أوى ونفسى أفضل حواليه على طول .. بحس فيهم بالبراءة وبحاجات كتير لسه موجودة جوايا ..

ثم شردت قائله وسحابة حزن فى عينها :

عارفين .. ساعات بحس انى طفلة .. ولما بشوف أب حنين على ابنه الصغير بقول فى نفسى يارتنى رجعت صغيرة تانى ولقيت حد يتعامل معايا بحنية كدة ويحسسنى انه بابا وانه مسؤل عنى .. عمركوا شوفتوا واحدة بتتمنى راجل يحسسها انه باباها .. أهو أنا بتمنى كده

ثم قالت :

– نفسى فى راجل أغمض عيني وأنا واثقه انه مش هيضيعني .. أرمى كل همومى وخوفى وحمولى عليه وأنا واثقه انه هيكون أد المسؤلية

نهضت “أسماء” فجأة قائله :

– أنا همشى

نظرت اليها “آيات” قائله :

– طيب استنى هخلص أهو ونمشى سوا

لم تترك لها “أسماء” فرصة للحديث بل قالت وهى تحمل حقيبتها وتغادر :

– لا هسبأكوا عشان ورايا حاجات كتير

*****************************************

جلس “آدم” و “زياد” بصحبة “على” و “كريم” فى مكتب هذا الأخير .. قال “كريم” :

– زى ما اتفقنا وقسمنا الشغل بينا يا شباب .. أهم حاجة عندى ان يكون فى تنسيق بينا .. وأنا مش ديكتاتور .. يعنى اللى يكون عنده مقترحات أفضل أو أساليب أفضل لسير العمل يبلغنى بيها

ابتسم “آدم” قائلاً :

– تمام يا “كريم” .. انت كدة سهلت علينا كتير .. وكمان ميزتك انك بتحسس اللى بيشتغلوا عندك انهم بيشتغلوا معاك مش عندك

قال “زياد” بحماس :

– أنا بجد اتحمست أوى للشغل هنا

نظر “كريم” الى ساعته وقال :

– معدش الا ساعة على صلاة الجمعة .. نتقابل فى مسجد القرية ان شاء الله

أثناء انصراف الرجال من مكتب “كريم” .. توجهت “آيات” الى المكتب .. وقف “آدم” أثناء خروجه ينظر اليها وحياها قائلاً :

– صباح الخير

تجاهلته تماماً ودخلت المكتب ! .. ربت “زياد” على كتف “آدم” وساقه بعيداً .. قالت “آيات” مبتسمة :

– “كريم” عايزه منك خدمه

– خير يا “آيات” أؤمرى

قالت وهى تجلس أمامه :

– هما خدمتين مش خدمة واحدة .. الخدمة الأولى . .صحبتى “سمر” اللى هيا صحبة “إيمان” اللى جت امبارح من القاهرة عشان تحضر كتب الكتاب

– آهاا مالها

– هى دكتورة أطفال .. وما شاء الله عليها ممتازة أوى وبتحب شغلها .. وبما ان الدكتورة اللى فى عيادة الأطفال فى أجازة ايه رأيك سمر تشتغل فى العيادة بدلها

– بس يا “آيات” .. البنت جاية عشان تحضر كتب كتاب صحبتها وتريحلها يومين فى القرية نقوم نقولها تعالى اشتغلى عندنا

قالت “آيات” بحماس :

– لا بالعكس دى مرحبة جداً .. أصلاً زى ما قولتلك هى بتحب شغلها أوى وكانت مضايقة اننا كلنا هنكون فى الشغل وهنسيبها لوحدها

– طيب خلاص طالما كدة مفيش مشكلة

– تسلم يا “كريم” .. الطلب التانى بأه .. عايزة أخرج النهاردة أشترى شوية لبس

نظر الى ملابسها قائلاً :

– ماشى مفيش مشكلة .. نفس الستايل كدة

ابتسمت قائله :

– لا ستايل تانى .. بصراحة عايزة ألبس لبس يرضى ربنا بأه .. مش عايزة أحس انى مقصرة فى موضوع اللبس ده .. يعني مش عايزة أحسن ان ربنا غضبان منى عسان لبسى

ثم نظرت الى ملابسها قائله :

– هو لبسى أحسن من الأول بكتير .. بس برده حسه ان لسه .. نفسى أكون زى “إيمان” و “سمر” كدة .. لبسهم محترم ومش ملفت

ابتسم “كريم” قائلاً :

– والله فرحتيني يا “آيات” .. طيب ايه رأيك باه ان أنا هاجى معاكى ونختار اللبس سوا .. وأى حاجة انتى عايزاها هتكون هدية منى ليكي

قاتل مبتسمة :

– لأ أنا اللى عايزة أشتريهم أنا معايا فلوس متقلقش

قال بحزم :

– خلاص اتنهت .. وبعدين سيبينى آخد الثواب ده .. كل ما تبقى لابسه حاجة واسعة أنا جايبهالى هاخد أنا الثواب عليها .. متحرمنيش بأه من الثواب ده لو سمحتى

ابتسمت بإستسلام قائله :

– بس أنا عايزة أروح النهاردة

قال لها بمرح :

– أمرك يا باشا .. أصلى الجمعة واخدك ونروح نجيب اللبس على طول .. بس كدة دى “آيات” هانم تؤمر والعبد لله ينفذ

ضحكت قائله :

– ماشى يا سيدى واضح ان مزاجك عالى النهاردة .. طبعاً مش كتب كتابك كان امبارح

لاحت ابتسامة واسعة على شفتيه وهو يقو :

– عارفة بمجرد ما كتبنا الكتاب و أنا حسيت ان قلبي ده عمال يرفرف بجنحاته .. رغم انى مش كدة خالص .. يعني بحس انى راكز ومش خفيف .. بس حسيت امبارح انى أخف من الريشة

أطلقت ضحكة عالية وقالت :

– فينك يا”إيمان” تسمعى الكلمتين دول عشان تعرفى تأثيرك فى أخويا

– هى على فكرة بنت حلال أوى .. وأكتر حاجة عجبانى فيها حيائها .. متتصوريش الصفة دى لما بتكون فى البنت بتخليها جميلة فى عين الراجل ازاى

ابتسمت “آيات” وهى تنظر اليه بسعادة قائله :

– ربنا يباركلكوا فى بعض .. انتوا الاتنين طيبين وتستاهلوا كل خير

****************************************

توجهت اليه بعدما أخذت نفساً عميقاً .. حاولت ألا تنظر اليه وهى تقول :

– لو سمحت يا أستاذ “على” عايزة امضة حضرتك على الطلب ده

التفت “على” اليها .. وتناول الملف من يدها .. قرأه بدقة ثم زيله بتوقيعه .. استعادت منه الملف وهمت بالإنصراف .. باغتها قائلاً :

– آنسة “أسماء”

توقفت دون أن تنظر اليه .. بدا عليه التوتر والإضطراب .. قال :

– أنا آسف .. انا مكنش قصدى انى أجرحك بكلامى

ظهر الحزن فى عينيها لكنها قالت بصعوبة :

– عادى محصلش حاجة

همت بالإنصراف لكنه أوقفها مرة أخرى وقال :

– انا كل اللى كان قصدى أقوله ان صحابك أكيد اتكلموا معاكى فى الموضوع اللى كنا بنتكلم فيه وقتها .. يعني مش محتاجة تسمعى أكتر من اللى سمعتيه عشان تنفذى وتختارى صح

أطرقت “أسماء” برأسها قليلاً ثم نظرت اليه قائله بألم :

– أنا للأسف غيرهم .. مكنش ليا أب وأم يقولولى الصح من الغلط .. كانوا مدينى حرية فى حاجات كتير منها لبسى .. صعب أوى ان حد عاش كدة تيجى فجأة وتقوله انت غلط وان الصح كذا .. غصب عنى مش عارفه أتقبل ده

تنهد “على” ثم قال وهو ينظر أمامه :

– مش صعب لو الانسان ده عرف ان ربنا هو اللى أمره بكده .. ربنا هو اللى قال ان ده صح .. وان ده غلط .. وعلى فكرة طالما الانسان ده مكنش يعرف الصح من الغلط ومحدش نبهه ده يعذر لجهله .. وربنا يغفرله ان شاء الله على اللى فات من حياته .. لكن طالما عرف .. يبأه كدة أقيمت عليه الحجة .. ويبتدى يتحاسب .. أيوة كان جاهل .. بس دلوقتى معدش جاهل .. وعرف الصح من الغلط .. مينفعش يفضل مستمر فى الغلط ويقول أصلى مكنتش أعرف .. لأ انت دلوقتى عرفت يبقى تلتزم بكلام ربنا وتنفذ

شعرت براحة غريبة وهى تتحدث اليه .. قالت وهى تنظر اليه :

– بس أنا أحسن من بنات كتير .. حتى لو لبسى ضيق .. بس أنا محترمة فى تعاملاتى ومش بسمح لحد انه يتجاوز معايا .. انت من ساعة ما انا اشتغلت هنا سمعت عنى كلمة وحشة أو شوفت منى حاجة وحشة ؟

قال “على” بهدوء :

– لأ مشفتش منك حاجة وحشة ولا سمعت عنك حاجة وحشة

قالت “أسماء” بحماس :

– ربنا رب قلوب .. يعني هو مطلع على تصرفاتى وعلى اللى فى قلبى .. وده أهم كتير من المظاهر.. أهم كتير من انى ألبس محترم بس أبقى بنت مش كويسة وأتعامل مع الشباب بطريقة وحشة .. فى بنات كتير أوى محترمة أوى فى لبسها بس مش محترمة فى تصرفاتها

صمت “على” للحظات ثم قال :

– وانتى ليه تبصى للى محترمة فى لبسها ومش محترمة فى تصرفاتها ! .. ما تبصى للى محترمة فى الاتنين .. لازم الواحد يبص للى أعلى منه مش اللى أقل منه .. اللى بيبص للى أقل منه ويقول أنا أحسن ده يبفضل طول عمره تحت ومبيطلعش أبداً ولا بيتقدم .. لكن اللى بيبص للى أعلى منه بيحب يقلده وبيحب يوصله وأكيد هيوصله .. وبعدين أيوة ربنا عارف الى فى قلبك ومطلع عليه مختلفناس فى دى .. بس برده ربا أمرك بحاجات لازم تنفذيها .. يعني يمنفعش متبقيش بتصلى وقتولى ربا رب قلوب ربنا عالم باللى فى قلبى وانى بنت كويسة .. طيب ما تصلى .. مش هو أمرك تصلى . .صلى .. ايه اللى منعك .. لو انتى فعلاً كويةس ومسلمة أمرك لله ومستسلمه لله ولأوامرة ولنواهيه .. هتصلى لأنه أمرك تصلى .. اهو ربا أمرك تتحجبى .. وبمواصفات معينة .. مينفعش تتحجبى على مزاجك أو بالطريقة اللى انتى شايفاها صح .. لازم تتحجبى بالطريقة اللى هو شايفها .. واللى هو عايزها .. واللى هو أمرك بيها

صمتت “أسماء” تحاول استيعاب كلماته وتمريرها على عقلها وقلبها .. سألته بخفوت :

– وايه هى الطريقة دى

قال “على” بحماس :

– أولا ميكنش ضيف يكون واسع .. ثانياً ميكنش شفاف ويبين الجسم .. ثالثاً .. ميكنش مبرفن ببرفان أو بخور أو أى حاجة يقدر اللى واقف جمبك يشمها .. رابعاً ميكنش ملفت .. خامساً ميكنش شبه لبس الكافرات .. سادساً ميكنش شبه لبس الرجال .. سابعاً ميكنش ثوب شهرة

نظرت اليه “أسماء” بإستغراب وقالت :

– معلش يعنى ايه ميكنش ثوب شهرة دى .. مش فاهمة

قال “على” بهدوء شارحاً :

– يعني متكنيش لبساه عشان الناس تشاور عليكي وانتى ماشية فى الشارع .. الرسول نهانا عن اللبس المزين أوى الفخم أوى اللى الواحد بيلبسه عشان الناس تشاور عليه وهو ماشى فى الشارع وده بيبأه خيلاء ماشى يعني يقول يا أرض اتهدى ما علييك أدى .. وبرده نهانا عن اللبس الرث أوى المبهدل أوى اللى الواحد يلبسه عشان الناس تشاور عليه وتقول ده الراجل ده زاهد وعابد .. يعني الرجال والنساء محرم عليهم لبس الشهرة .. يعني متلبسيش حاجة ملفته عشان الناس تشاور عليكي وتعرفك

تمتمت قائله :

– أيوة فهمت

قال وهو ينظر الى ساعته :

– بعد اذنك عشان ألحق الصلاة

قالت بخفوت :

– اتفضل

التفتت تنظر اليه لتتابعه بنظراتها أثناء مغادرته .. نعم تعلم بأنه لن يفكر فيها يوماً .. وأنها بالتأكيد ليست الفتاة التى سيختارها زوجة وحبيبة .. وأنها بالنسبة له فتاة متبرجة .. وأنه ليس كأى رجل قابلته فى حياتها .. وعلى الرغم من ذلك .. خفق قلبها بقوة ونعومة .. وحــب .. وهى تتتابعه بعينيها !

*****************************************

توافد الرجال فى القرية على مسجد القرية الذى جهزه “كريم” بكل ما يلزم .. ابتسم “آدم” الجالس على الأرض فى انتظار بدء الخطبة وهو يميل على “زياد” قائلاً :

– ما شاء الله .. حلوة أوى فكرة المسجد فى القرية .. عشان الناس متكسلش تطلع بره القرية يدوروا على مسجد يصلوا فيه .. أهو كده مفيش راجل فى القرية له حجه ..

ابتسم “زياد” وهو يتأم المسجد قائلاً :

– فعلاً فكرة حلوة أوى

ثم التفت الى “آدم” قائلاً :

– والله الواحد حاسس براحة كبيرة هنا .. غير ما كنا بنحس فى قرية النحس “شكرى” ..أعوذ بالله الواحد هناك كان بيبقى قلبه مقبوض على طول .. لكن هنا سبحان الله كفابه ان الواحد ضميره مرتاح

ابتم “آدم” قائلاً :

– ده غير معدلات الشغل هنا .. أنا صعقت من الأرقام

قال “زياد” بمرح :

– قال احنا اللى كنا فاكرين ان قرية “شكرى” عليها اقبال .. لو جه شاف معدلات الحجز فى القرية هنا هيقفل قريته ويعد فى بيتهم

ساد الهدوء فجأة عندما اعتلى الإمام المنبر .. نظر “آدم” و “زياد” الى بعضهما فى دهشة .. فلم يكن الإمام سوى .. “كريم” .. ألقى نظرة على الموجودين وتلاقت أنظاره بأنظار “آدم” و “زياد” .. ثــم .. بدأ خطبته :

– الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه.

أما بعد : يقول الله عز وجل ” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ” .. فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن باب التوبة مفتوح فى كل زمان ومكان حتى تشرق الشمس من مغربها .. رخصة لكل انسان وقع فى معصية أو ذنب صغيراً كان أم كبيراً .. يستطيع بتلك الرخصة أن يتوب الى الله عز وجل فيغفر له ذنبه ويمحيه تماماً من صحيفة أعماله كأنه لم يفعله فى حياته قط .. فلنتحدث عن أنواع البشر وأنفسهم .. هناك شخص يملك بين جنباته نفس أمارة بالسوء .. وصاحب هذه النفس والعياذ بالله يقبل على المعصية ويميل اليها دائماً دون أدنى شعور بالذنب .. يقترف المعصية سراً وجهاراً ليلاً ونهاراً .. دون ان يطرف له جفن .. ونسى الملك المطلع عليه من فوق سبع سماوات .. وهذه النفس استحوذ عليها الشيطان تماماً فسار يحركها كيف يشاء .. وهى مأوى للشر فى جسم الإنسان .. ومنبع للشر .. واذا قيل له لماذا تفعل ذلك يا عبد الله .. تعلل بعلل واهية ويضع أخطائه على شماعة “إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا”

كان “آدم” يستمع الى الخطبة دون أن يرف له جفن .. تعلقت عيناه بكريم وتعلقت أذنيه بكلماته .. أكمل “كريم” قائلاً :

– النوع التانى هى النفس اللوامة .. والتى أقسم الله بها فى سورة القيامة “لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” .. وهى نفس فى صراع دائم بين الخير والشر .. اذا ارتكب صاحبها ذنباً .. ظل يلوم نفسه .. ويؤنبها .. ويستشعر ذنبه وتقصيره فى حق الله .. يتذكر يوم القيامة والآخرة فيتحسر على ما اقترف من ذنوب .. ويندم على ما فات من حياته ..

أما النوع الثالث هو النفس المطمئنة .. وهى منبع الإيمان فى صاحبها .. فهى نفس خاشعة متوكلة على ربها .. واثقة بالله .. محبة لله .. خاضعة لله .. تشتاق الى الله .. والتى قال الله عنها “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي” .. فأسأل الله أن يرزقنا جميعاً تلك النفس المطمأنه

انتهت خطبته .. وأقام الصلاة .. بعد الإنتهاء من الصلاة .. التفت “زياد” الى “آدم” قائلاً :

– يلا

قال “آدم” وهو يجلس مستنداً الى أحد العواميد فى المسجد :

– لا سيبنى شوية

أوما “زياد” برأسه وخرج من المسجد .. أسند “آدم” رأسه الى العمود خلفه .. وشرد وهو ينظر الى سقف المسجد .. وجد فجأة يداً تربت على كتفه فالتفت ليجد وجه “كريم” الباش .. جلس بجواره قائلاً :

– ايه يا دكتور مش هتمشى

أومأ برأسه قائلاً :

– شوية كده

جلس “كريم” بجواءه مفترشاً الأرض .. نظر اليه قائلاً :

– ربنا كبير أوى على فكرة

لمعت العبرات فى عيني “آدم” وأخذ ينظر الى “كريم” صامتاً .. فربت على قدمى “آدم” قائلاً :

– متخليش الشيطان يحبطك ويوهمك ان ملكش توبة .. لان ربنا اسمه الغفور .. بيغفر التوبة للعبد التائب الصادق فى توبته .. اهم حاجة ان التوبة تكون صادقة .. مس توبة باللسان فقط

أومأ “آدم” برأسه .. ثم قال بإهتمام :

– والواحد يعرف منين اذا كان ربنا قبل توبته ولا لأ

– الأهم هو انك تطبق شروط التوبة صح

قال “آدم” بإستغراب :

– وهى ايه شروط التوبة

قال “كريم” بهدوء :

– شروط التوبة أربع .. لازم يجتمعوا مع بعض عشان تبقى توبة صادقة وربنا يتقبلها .. أول حاجة انك توبتك تكون مخلصة لله .. يعني مش تائب عشان خايف من الشرطة مثلا أو عشان خايف من الناس أو عشان خايف من الفضيحة .. أو مثلا تايب من شرب الخمرة عشان خايف على صحتك منها .. أو تايب من الزنا عشان خايف على نفسك من الأمراض

صمت قليلاً ثم قال :

– أو تايب عشان حبيبتك ترضى عنك

تلاقت أنظارها وبلع “آد” ريقه بصعوبة وقد فهم ما يقصده “كريم” .. فأكمل “كريم” :

– أول شرط من شروط التوبة انك تتوب لله عشان خايف منه وعشان ندمان على ذنبك فى حق ربك

ثم أكمل :

– تانى شرط انك تتوب بقلبك وتكره المعصية بقلبك مش بس بلسانك .. ثالث شرط ان تسيب المعصية دى فوراً .. مش تقول هسيبها بكرة ولا بعد بكرة ولا من الشهر الجاى .. لأ تسيبها فوراً وتبعد عنها فوراً .. الشرط الرابع انك تنوى وتعقد عزمك انك مترجعش للذنب ده تانى أبداً .. الشرط الخامس وده شرط مهم جدا وللأسف فى ناس كتير بتغفل عنه .. وهو رد المظالم لأهلها .. يعني لو كنت نهبت حد أو سرقت حد أو أكلت مال أو شهدت زور على حد أو قتلت حد .. لازم المظالم دى تترد .. لازم الشروط الخمسة عشان تبقى توبتك كاملة وربنا يتقبلها ان شاء الله

قام “كريم” وغادر المسجد وترد “آدم” خلفه يعيد ما قال فى عقله مرات ومرات ومرات

*****************************************

انطلق “كريم” فى طريقه بصحبة “آيات” الى المول التجارى .. وأثناء تجربة “آيات” لأحدى القطع .. اتصل بـ “إيمان” التى ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها بمجرد أن رأت اسمه وردت قائله :

– السلام عليكم

قال بصوته الرخيم :

– وعليكم السلام .. ازيك يا “إيمان”

تمتمت بخفوت :

– الحمد لله

– أنا فى المول مع “آيات” بتشترى شوية حاجات .. ان شاء الله كلها ساعة وأرجع القرية .. هتكونى جاهزة ؟

– أيوة ان شاء الله .. هرجع بس الشقة أغير هدومى

– خلاص ماشى على تليفون ان شاء الله .. وأنا راجع هتصل بيكي

– خلاص اتفقنا

بعد نصف ساعة توجهت “إيمان” الى عيادة الأطفال حيث تعمل “سمر” وابتسمت لها قائله :

– ايه الأخبار

قامت “سمر” من فوق مكتبها وعقدت ذراعيها وهى تستند بظهرها الى المكتب وقالت :

– بصراحة العيادة روعة والجو هنا جميل أوى .. حسه ان نفسى هنا مفتوحة للشعل أوى

فى تلك للحظة أتت “أسماء” وهى تقول :

– بنات مشفتوش “آيات” دايخة عليها فى ورق مهم لازم تمضية .. وبكلمها موبايلها غير متاح

قالت “إيمان” :

– آه “آيات” مع “كريم” فى المول بيقول بتشترى حاجات

ثم نظرت الى ساعتها قائله :

– كلها نص ساعة أول أقل ويرجعوا ان شاء الله

ابتسمت “أسماء” وهى تنظر الى “سمر” قائله :

– ايه رأيك يا “سمر” فى القرية

قالت “سمر” بحماس :

– كنت لسه بقول لـ “إيمان” المكان ممتاز بجد حسه براحه نفسية عجيبة .. آه لو أفضل هنا ومرجعش القاهرة تانى

نظرت اليها “إيمان” بخبث وقالت :

– والله فى ايدك تفضلى هنا ومترجعيش القاهرة تانى

نظرت اليها “سمر” مستفهمة .. فقالت “إيمان” بمرح :

– يا بنتى حنى على الراجل الغلبان بأه وهو يبقى بابا وماما وأنور وجدى

توترت “سمر” وقالت بعتاب :

– بس يا “إيمان”

نظرت اليهما “أسماء” مستفهمة :

– راجل مين ؟

قالت “إيمان” وهى تتنهد :

– الراجل اللى عايز يتجوزها وهى رافضه حتى انه يدخل بيتهم

نظرت اليها “سمر” قائله :

– يا “إيمان” خلاص انسى الموضوع ده بأه

قالت “إيمان” بمزاح :

– لا مش هنسى نفسى أفرح بيكي انتى و “على”

هوى قلب “أسماء” بين قدميها .. قالت بصعوبة :

– “على” أخوكى ؟

أومأت “إيمان” برأسها وهى تقول :

– آه “على” أخويا يا ستى

بدا الإضطراب على “أسماء” وقالت بصوت مرتجف :

– أنا همشى

خرجت “أسماء” من العيادة تحث السير وهى تشعر بأن الرؤية غير واضحة .. ثم اكتشفت بأن ما كان يحجب عنها الرؤية بوضوح .. هو تلك الدموع التى أخذت بالتجمع داخل عينيها !

التفتت “إيمان” الى “سمر” قائله بجديه :

– “سمر” انتى بجد رافضة “على” نظرت اليها “سمر” بحيرة وقالت :

– “على” انسان محترم جداً .. وبجد ساعات بحس اننا مناسبين لبعض أوى .. بس مش عارفه .. مش عارفه ليه مش قادرة أقول أيوة

قالت “إيمان” بحزم :

– لو انتى فعلاً شايفاه مناسب هتوافقى .. لو رفضاه عشان موضوع الشغل هو خلاص اشتغل دلوقتى يا “سمر” وفى مركز كبير ومرتب كبير ما شاء الله

قالت “سمر” بحيرة :

– صدقيني مش دى المشكلة .. أنا فعلاً بحترم “على” .. وحسه انه مناسب أوى ليا .. واننا هنكون زوجين ناجحين .. بس مش عارفه .. جوايا تردد كبير أوى .. وخوف .. مش عارفه .. حسه بحيرة كبيرة أوى .. عشان كدة قولت لمامتك لما كلمتنى متخليهوش يستنانى .. لانى حسه ان الحيرة اللى جوايا دى مش هتخلص أبداً

تنهدت “إيمان” قائله :

– كان نفسى أوى تكونوا لبعض

قالت “سمر” بحزن :

– وأنا نفسى أكتر منك .. نفسى بجد .. بس حسه انى متكتفة .. ومش قادرة آخد الخطوة دى .. أنا من يوم ما مامتك كلمتنى وأنا بستخير .. ولحد دلوقتى بستخير .. بس لسه .. لا شايفه حاجة .. ولا حسه بحاجة

*********************************

عادت “آيات” بصحبة “كريم” وبمجرد ان دخلا القرية قالت “آيات” بمرح :

– “كريم” وديني الشقة الأول .. عايزة أغير هدومى وألبس حاجة من اللى اشتريناها

ابتسم لها قائلاً :

– ماشى يا ستى

نظرت اليه بتأثر قائله :

– بجد يا “كريم” ربنا ما يحرمنى منك .. انت دلوقتى كل عيلتى مش أخويا وبس .. عارف أنا بجد محظوظة أوى ان ليا أخ زيك .. رغم انك مش أخويا شقيقي بس بجد أنا بنسى النقطة دى تماماً .. بحس فعلاص أكننا اخوات من أم واحدة وأب واحد

ابتسم وو يربت على رأسها قائلاً :

– أنا كمان بعتبرك أختى بجد .. لان فعلاً انتى أختى يا “آيات” .. متقلقيش حتى لما أتجوز هفضل آخد بالى منك وهفضل معاكى مش هسيبك .. وحتى لما تتجوزى وتروحى بيت جوزك .. بردة هفضل جمبك وقت ما تحتاجيني هتلاقيني

لمعت الدموع فى عينيها تأثراً بكلماته فصاح بمرح :

– أوف .. ده انتوا الستات حاجة بشعة .. تزعلوا تعيطوا .. تفرحوا تعيطوا .. حاجة بؤس

ضحكت “آيات” بملء فمها وهى تقول :

– عشان احنا كائنات رقيقة حساسة

تعلقت أنظاره بـ “إيمان” التى كانت تسير فى اتجاه البناية .. كانت تبعد عنها بضع خطوات فقط .. عندما اقترب منها “كريم” وأطلق زمور سيارته فانتبهت .. أوقف سيارته أمام البناية فقالت “آيات” بخبث :

– افتحلى الشنطة هاخد حاجتى وأطلع

قال “كريم” وهو يحمل الحقائب :

– سبيها وأنا هطلعهالك

ألقت نظرة على “إيمان” التى اقتربت وقالت وهى تأخذهم من يده :

– لا هاتهم مش تقال

توجهت “آيات” الى داخل البناية بينما ابتسم “كريم” وهو يقول لـ “إيمان” :

– ازيك يا “إيمان”

ابتسمت بخجل قائله :

– الحمد لله

نظر الي ملابسها وقال :

– غيرتى هدومك ولا لسه

– لا لسه طالعة دلوقتى .. مش هتأخر عشر دقايق بس وأنزل

ابتسم قائلاً :

– براحتك

كادت أن تنصرف لكنه أوقفها قائلاً :

– استنى

فتح باب السيارة الخلفى وأخرج منه بوكية كبير يحوى ورود حمراء زاهية معد بطريقة رائعه .. قدمه اليها وعلى شفتيه ابتسامه واسعة وهو يقول :

– اتفضلى

اتسعت ابتسامة “إيمان” ونظرت الى الورد بسعادة وهى تحمله بين يديها كالطفل الصغير .. ثم نظرت اليه قائلخ :

– متشكرة أوى

تمتم مبتسماً :

– العفو .. يلا مستنيكي

أومأت برأسها ودخلا البناية وهى تكاد تقفز فى الهواء فرحاً

دخلت “آيات” البيت ليتنامى الى مسامعها صوت شهقات بكاء قادم من غرفتها .. تركت ما بيدها أمام الباب وأغلقته وتوجهت مسرعة لتجد “أسماء” جالسه على فراشها تدفن وجهها بين يديها وتبكى بحرقه .. اقتربت منها “آيات” وقالت بلوعة :

– “أسماء” مالك فى ايه ؟

قالت “أسماء” وهى تحاول أن توقف بكائها دون جدوى :

– مفيش حاجة

جلست “آيات” بجوارها وهى تقول بحده :

– ازاى يعني مفيش حاجة

قالت “أسماء” بنفاذ صبر وهى تكفكف دمعها :

– قولتلك مفيش حاجة يا “آيات” .. شوية وهبقى كويسة

هتفت “آيات” بحدة وقد غاظها كتمان “أسماء” لمشاعرها وأحزانها دائماً :

– انتى على طول كدة .. عمرك ما جيتي قولتيلى يا “آيات” أنا مضايقه من كذا .. على طول بتشيلى فى قلبك وتسكتى .. بجد يا “أسماء” أنا مكنتش مصتورة ان أنا ولا حاجة بالنسبة لك

نظرت اليها “أسماء” قائله :

– ازاى يعني ولا حاجة .. أنا مليش غيرك أصلاً وانتى عارفه كدة

– لو كان فعلاً ملكيش غيري كنتى حكتيليى على اللى جواكى مش قفلتى على نفسك كده

تنهدت “أسماء” بحزن وقالت :

– لما بتكون المشكلة ملهاش حل مبعرفش أتكلم فيها . .بحس الكلام هيتعبنى على الفاضى

– ومين قالك ان ملهاش حل .. اتكلمى يمكن أعرف ألاقيلها حل

قاتل “أسماء” بمرارة :

– لا ملهاش حل .. ومستحيل يبقى ليها حل

– ايه هيا المشكلة اللى ملهاش حل ؟

فى تلك اللحظة دخلت “إيمان” الى البيت وأغلقت الباب بهدوء فلم ينتبه أحد الى صوت اغلاقه .. كادت أن تتوجه الى غرفتها لكنها تسمرت فى مكانها عندما سمعت “أسماء” تقول :

– أنا بحب “على”

شعرت “آيات” بالدهشة وهى تنظر الى “أسماء” قائله :

– “على” مين ؟

نظرت اليها “أسماء” قائله ودموعها تبلل وجهها :

– “على” أخو “إيمان”

اضطربت “إيمان” بشدة ولم تدرى كيف تتصرف .. أهداها عقلها الى أن تعود وتفتح الباب وتغلقه بقوة .. هبت الفتاتان عندما استمعا الى صوت اغلاق الباب .. وقفت “إيمان” على باب غرفتيهما فالتفتت “آيات” اليها .. قالت “إيمان” بسرعة متظاهرة بالمرح :

– ازيكوا يا بنات .. أنا داخلة أغير هدومى لان “كريم” مستنيني تحت

أومات “آيات” برأسها وهى تبتسم بوهن .. دخلت “إيمان” غرفتها وهى تتنهد بقوة وبأسى

قامت “آيات” وأغلقت الباب ثم عادت للجلوس بجوار “أسماء” وقالت لها :

– احكيلي اللى حصل .. واشمعنى “على” بالذات

قصت لها “أسماء” كل مواقفها مع “على” .. فقالت “آيات” :

– يعني “على” كان السبب انك متحضريش امبارح كتب كتاب “إيمان”

– كنت مخنوقة أوى .. لما قالى صحابك محترمين حسيت انى مجروحة منه أوى

صمتت قليلاً ثم نظرت الى “آيات” قائله بحيرة :

– أنا مش عارفه أنا ليه حسيت نحيته بكدة .. يعني هو جد أوى معايا .. وناشف .. بس معرفش .. عارفه لما تحسى انك منجذبه لحاجة لانها ضدك .. لانها مختلفة عنك .. أنا حسيت ان ده اللى خلانى أتعلق بيه كده .. انه مختلف عن أى حد شوفته وعن أى حد عرفته

لاحت ابتسامة على شفتيها وهى تقول :

– تعرفى انه قالى انه مش بيحب يعمل حاجة غلط مع بنت عشان مراته اللى هيتجوزها .. يعني مش عايز يخون مراته وهو أصلاً لسه مشفهاش ولسه ميعرفش هى مين .. هو فى حد كده

ثم قالت :

– ورغم انى فى نظره غلط .. الا انه مش بيتكلم معايا بشدة أو بعنف أو بإحتقار .. بالعكس بحس انه بيتكلم معايا براحه وبشويش .. مش بيقولى كلام جامد يكرهنى فى عيشتى .. بالعكس بحسه عارفه أكنه بياخد بإيدى واحدة واحدة .. لما اعتذرلى كنت فرحانه أوى .. حسيت انه مهتم ولو شوية صغيرين انه ميزعلنيش أو انى أبقى مضايقه منه .. فضل يكلمنى بالراحة على اللبس وعلى الحجاب .. من غير ما يجرحنى ومن غير ما يقولى انتى غلط وهتدخلى النار .. لأ .. كان بيتكلم براحه .. غصب عنى حسيت انى اتشدتله .. نفسي يفضل يتكلم معايا كده وينصحنى على طول .. مش فى اللبس بس ..لأ فى كل حاجه

ران الصمت بينهما .. فقالت “آيات” بحماس :

– “أسماء” يمكن بس انتى عجبك اسلوبه مش أكتر من كده .. يعني مش حب ولا حاجة زى ما انتى متصوره

قالت “أسماء” بصوت باكى وقد عاودت عبراتها التساقط على وجهها :

– أنا كنت فاكرة كده .. فضلت أقول لنفسى كده .. بس لما عرفت انه بيحب “سمر” وعايز يتجوزها حسيت انى قلبي موجوع أوى .. مش قادرة أتخيله مع “سمر” ولا مع أى واحدة .. مش قادرة أتخيل انى ممكن معرفش أتكلم معاه تانى .. أو انه يختفى فجأة من حياتى .. حسه انى عايزاه فى حياتى على طول يا “آيات” .. معرفش أنا عمرى ما حسيت كده .. وعلى طول بستخف بالناس اللى بتحب وبتتعلق بغيرها .. بس أنا فعلاً حسه انى اتعلقت بيه أوى .. تعرفى أنا نفسى دلوقتى حالاً أتكلم معاه .. فى كل حاجة .. نفسى أحكيله على كل حاجة

تعالت شهقاتها وهى تقول بصوتها المرتجف الباكى :

– نفسى أحكيله على بابا وماما ومشاكلهم وخناقاتهم .. نفسى أحكيله على احساسى بعدم الأمان .. نفسى أحكيله على الحاجات اللى بتخوفنى .. نفس أحكيله على “هانى” واللى عمله معايا .. حسه انى عايزه أحكيله على كل حاجة .. أنا على طول بخبى مشاعرى جوايا ومش بحب أتكلم مع حد عن احساسى .. بس أنا حسه انى عايزه أحكيله هو على كل حاجة .. أول مرة أحس بكده .. أحس انى عايزه أطلع اللى جوايا لحد .. عايزه أعيط أدامه .. عايزه أصرخ .. عايزه أخرج كل اللى جوايا .. وبعد ما أخلص يتكلم معايا وأسمع منه

نظرت اليها “آيات” بحزن فقالت “أسماء” بمرارة وهى شاردة :

– بس هو بيحب “سمر” .. طبعاً شايفها أحسن منى مليون مرة .. وان هى دى البنت اللى تستحق تكون مراته

نظرت الى “آيات” بأعين دامعة وهى تقول بألم :

– عايزة أمشى من هنا يا “آيات” عايزه أروح أى مكان تانى غير هنا .. بس مليش مكان أروح فيه .. مش عارفه أروح فين

انفجرت “أسماء” فى البكاء مرة أخرى فأحاطتها “آيات” بذراعيها تشاركها عبراتها هى الأخرى وهى تشعر بالألم من أجلها !

************************************

التف “كريم” و “إيمان” حول طاولة الطعام .. بدت “إيمان” شاردة .. نظر اليها “كريم” متأملاً ثم قرب كفه من كفها .. فانتفضت .. وابتسمت بخجل وأبعدت كفها .. أسند مرفقيه على الطاولة وهو يقول بمرح :

– اللى واخد عقلك .. بتفكرى فى ايه

– أبداً .. مشكلة واحدة صحبتى جت على بالى

قال “كريم” بمرح :

– آه قولتيلى .. سرحانه فى واحدة صحبتك وانتى اعده معايا تانى يوم من كتب الكتاب .. لا بداية مبشرة

ابتسمت قالئه :

– أنا آسفة معلش

بادلها ابتسامته اوقال :

– ولا يهمك

أتى النادل بالطعام .. نظرت “إيمان” الى الطعام قائله :

– ايه كل ده .. أنا عاملة دايت أصلاً

ابتسم قائلاً :

– خلاص مش من مرة

قالت بحزم :

– لا من مرة .. المرة دى ممكن تبوظلى تعب اسبوع

نظر اليها قائلاً :

– مش المفروض بيكون يوم فرى كل اسبوع .. خلى النهاردة الفرى بتاعك

ابتمست قائله :

– انت شكلك كده هتبوظلى كل اللى بعمله

ضحك قائلاً :

– لا متقلقيش النهاردة بس .. وبعدين انتى مش محتاجة تنزلى كتير ..

قالت بتوتر ممزوج بالحرج :

– لا محتاجة أنزل كتير .. عشان بس هدومى واسعة فمش باين أنا محتاجة أنزل أد ايه

قال “كريم” وهو يشرع فى تناول طعامه :

– انتى دلوقتى عندك الجيم ومشرفة عليه كمان يعني مش صعب علييك انك تستمرى على الرياضة

قالت “إيمان” بحماس :

– أنا فعلاً من ساعة ما جيت هنا وأنا مستمرة على الرياضة وحتى خسيت عن الأول

ابتسم دون أن يعقب فقالت بتوتر وهى تخشى أن تجرحها اجابته :

– انت مش مضايق عشان أنا مليانه شوية ؟

قال “كريم” بهدوء :

– انا حابب انك تكونى أقل .. وعارف انك تقدرى .. ممكن بس يكون كان كسل منك أو حاجة .. بس عامة حتى لو منزلتيش فأنا مش هتفرق كتير بالنسبة لى .. بس أنا قولتلك اللى أنا حابه أكتر

ابتسمت وقد شعرت بالراحة والحماس :

– ان شاء الله هكون زى ما انت حابب

اقترب منها بوجهه هو ينظر الى عينيها بعمق قائلاً :

– ودى حاجة تفرحنى

ابتسمت بخجل وشرعت فى تناول طعامها هى الأخرى .. نظر اليها بسعادة قائلاً بمرح :

– بس اتطورنا عن امبارح .. يعني الحمد لله فى تقدم

ضحكت بخجل قائله :

– هى أول طلعة بس اللى بتكون صعبة

ضحك هو الأخر قائلاً :

– ماشى

ثم نظر اليها بخبث وغمر بعينه هو يقول :

– عقبال ما نفتح على الرابع

احمرت وجنتاها خجلاً وأشاحت بوجهها .. سمعته يطلق ضحكة رنانه .. أسعدت قلبها وطربت لها أذنيها

عبر “كريم” بسيارته بوابة القرية وأوقفها أمام المبنى الذى يحوى صالة الألعاب والتفت اليها قائلاً :

– اشوك فى اجتماع بالليل ان شاء الله

ابتسمت قائله :

– ان شاء الله

كادت أن تهم بالإنصراف لكنها عدلت عن رأسها ونظرت اليه قائله :

– ممكن أسألك عن حاجة

ابتسم قائلاً وهو يلتفت اليها :

– آه طبعاً اتفضلى

صمت قليلاً تحاول البحث عن كلمات مناسبة لتصوغ عبارتها .. ثم قالت :

– انت ليه اخترتنى أنا بالذات .. وبالسرعة دى .. يعني كل حاجة حصلت فجأة .. وبعدين احنا متكلمناش مع بعض ولا حاجة .. يعني ليه حسيت انك عايز تتقدملى أنا وكمان كتب كتابة مش خطوبة

نظرت اليه تنتظر جواباً لأسئلتها .. التفت بجسده اليها ونظر اليها قائلاً بجدية :

– بصى يا “إيمان” .. أنا شخص عملى شوية .. يعني عندى واحد زائد واحد يساوى اتنين .. كنت بدور على زوجة بمواصفات معينة .. والصفات دى فعلا لقيتها فيكي .. وعشان كده مترددتش لحظة

سألته بصوت خافت :

– ايه هى الصفات دى

ابتسم لها بحنان قائلاً :

– أولا انها تكون انسانه ملتزمة وعارفه ربنا وده لمسته فيكي من لبسك ولما كنتى بتغضى بصرك لما بتشوفيني .. كمان أنا بحب البنت الخجولة الحييه .. وده لمتسه فيكي كل ما بقابلك .. يمكن دى أكتر صفة أنا كنت حابب انى أور عليها وألاقيها فى الانسانه اللى ارتبط بيها .. كمان كنت عايز واحدة باره بأهلها .. وده لمسته من كلام مامتك عنك .. كمان كنت عايزها من بيت طيب .. لان اخواتها دول هيبقوا خيلان ولادى .. وطبعاً اخوكى “على” ما شاء الله عليه راجل محترم جداً .. وكمان مامتك وباباكى ناس طيبين .. كنت عايز واحدة متحطش راسها براسى يعني واحدة أحس بضعفها وبانها أنثى وده لمسته ساعة المشكلة اللى فى الاجتماع الأول لما مشيتيى وسيبتى الاجتماع .. كان ممكن تقفى وتسمعيني كلمتين فى العضم .. بس انتى مشيتي بهدوء.. ولما عرفتى انك فهمتيني غلط وحسيتى بالذنب مكنتيش عارفه تتعاملى معايا ولا عارفه تواجهيني .. وغير ده كله أنا حسيت بإنجذاب نحيتك .. ودى مش هقدر أفسرها لانها حاجه تتحس متتقلش .. حاجه بتحسيها بقلبك وبتلاقيه بيقولك هى دى الإنسانه المناسبة ليك .. وطبعاً أولاً وأخيراً الاستخاره والاستشارة .. وأنا استخرت ربنا .. واستشرت “آيات” وسمعت عنك كل خير

ابتسمت “إيمان” وأومأت برأسها وقد أشعرتها كلماته بالراحة .. أمسك يديها فارتجفت بين أصابعه .. نظرت الى عينيه التى تحتويها وهو يقول :

– انتى بأه وافقتى عليا ليه ؟

ابتسمت بخجل وقالت وهى تنظر الى يدها التى فى يده :

– حسيت انك انسان محترم ومعارف ربنا .. وكمان “على” اتعامل معاك وشكر فى أخلاقك جداً .. وكمان “آيات” شكرت فيك .. واستخرت ربنا ووافقت

نظر اليها متفحصاُ قائلاً بخبث :

– بس كده .. يعني محستيش بأى كيميا خالص

توردت وجنتاها خجلاً وسحبت يدها من يده

فقال بعتاب :

– ماشى وأنا اللى كنت فاكرك .. بس خلاص هعمل ايه حظى كدة

نظرت اليه بأشاح بوجهه عنها .. تمتمت بحزن :

– انت زعلت

لم يجيبها فقالت :

– انا بتكسف على فكرة .. يعنى حتى لو حسه بحاجه مش هعرف أقول دلوقتى

التفت اليها قائلاً وهو رفع أحد حاجبيه :

– ماشى .. وأنا هستنى .. كده عليكي ليا حاجتين .. الأول اعتراف مهم .. والتانى الدبلة اللى لبستها لنفسى امبارح

ضحكت فقال بمرح :

– مش هتنازل عن حقى على فكرة .. خلى بالك يعني

أومأت برأسها ونزلت من السيارة .. ابتسم لها قبل أن ينطلق الى الجراح ليصف سيارته وينزل متوجهاً الى مكتبه

**************************************

سار “آدم” مع والدته فى الممر الذى يحوى مكاتب الموظفين بالقرية .. توقفا أمام مكتب “آيات” فأشارت له أمه بالابتعاد .. ابتعد خطوات للخلف .. طرقت الباب فأتاها صوت “آيات” آذناً بالدخول .. شعرت “آيات” بالدهشة وهبت واقفة وهى ترى والدة “آدم” أمام الباب .. أقبلت نحوها قائله بترحاب :

– أهلاً وسهلاً ازى حضرتك يا طنط

اقترب منها والدة “آدم” وأغلقت الباب وهى تقبلها قائله :

– الحمد لله يا بنتى ازيك انتى

غادر “آدم” بعدما دخلت والدته وأغلقت الباب خلفها .. دعا الله أن تأتى تلك الزيارة بنتيجه ترضيه

أجلستها “آيات” على الأريكة بالمكتب وجلست بجوارها .. نظرت اليها أم “آدم” متفحصة .. بدت مختلفة عن ذى قبل بملابسها الواسعة الفضفاضة و حجابها الطويل ووجها النظيف الخالى من مساحيق الجميل .. تمتمت مبتسمة :

– بسم الله ما شاء الله .. ربنا يفتح عليكي يا بنتى

ابتسمت “آيات” وهى مازات تشعر بالدهشة من تلك الزيارة .. ربتت والدة “آدم” على قدمها قائله :

– بصى يا بنتى .. انا جايه أقولك كلمتين .. ومعلش استحميلنى واعتبريني زى أمك

قالت “آيات” على الفور :

– طبعاً يا طنط اتفضلى

قالت أم “آدم” :

– أنا جايه أتكلم معاكى عن ابنى “آدم”

تجمدت ملامح “آيات” وهى تقول :

– أنا مش حابه أتكلم عنه يا طنط بعد اذنك

قالت أم “آدم” بحزم :

– اسمعيني ولو معجبكش الكلام ارمه ورا ضهرك ولا أكنك سمعتيه

نظرت اليها “آيات” بتوجس .. قالت أم “آدم” :

– ابنى غلط غلط كبير أوى .. فى حق ربنا وفى حق نفسه وفى حقى وفى حقك انتى كمان .. بس مين يا بنتى مبيغلطش .. طول ما الانسان عايش فى الدنيا دى بيغلط وبيتوب .. وربك بيغفر ويسامح .. يبقى احنا يا بنى أدمين مش هنسامح بعض

قاطعتها “آيات” قائله بشئ من الحدة :

– بس دى قدرات .. فى حد ممكن يسامح وحد لأ .. فى غلط ممكن الواحد يفغره وغلط لا صعب الواحد ينساه .. وحتى لو سامحت .. مش ممكن هنسى .. هفضل مجروحه منه .. والأصعب انى هفضل أحتقره .. أنا مبقتش بحترمه يا طنط .. مش قادره أحترمه

رمقتها أم “آدم” بحزن وهى تستمع الى مشاعرها تجاه ابنها .. فتنهدت قائله :

– يا بنتى اللي عايزاكى تعرفيه ان ابنى بيحبك أوى .. والله بيحبك .. والله ابنى اتغير وبيحبك .. ده كان بيعد طول الليل قدام القبر مش عايز يمشى .. فضل يا كبدى عليه زى ما يكون هو اللى مات .. لا بياكل ولا بيشرب وآفل على روحه بيصلى وبيقرا قرآن

خفق قلب “آيات” وهى تتخيل حال “آدم” الذى وصفته أمه .. وهو يظن بأنها ماتت وأنه دفنها بيده .. أكملت أمه :

– لما عرف انك عايشة بقت الدنيا مش سايعاه من الفرحة .. بأه نفسه يجيلك ويتأسفلك .. ولما اتكلم معاكى وصدتيه كان بيتقطع من جوه .. والله “آدم” تاب يا “آيات” ورجع عن الطريق اللى كان ماشى فيه .. لو مكنش تاب بجد مكنش حاله اتغير لما افتكرك متى .. لو مكنش تاب بجد مكنش ساب الشغل فى القرية التانية رغم انه كان بيقبض منها فلوس أد كده .. بس هو ساب الحرام يا بنتى .. وكل ده قبل ما يعرف انك عايشة .. يعني مسبش الحرام عشانك . .لأ سابه عشان ربنا يا بنتى .. يعني تاب من قلبه بجد

نظرت اليها “آيات” بمزيج من الحيرة والخوف والألم .. فربتت على قدمها قائله :

– فكرى يا بنتى .. فكرى وشوفى قلبك هيرسيكي على ايه .. انا بس حبيت أجى وأقولك الكلام ده بنفسى .. لانى عارفه ان “آدم” حاول يتكلم معاكى كتير وانتى بتصديه .. فاكراه بيضحك عليكي تانى .. قولت آجى وأقولك وأكيد أنا ست كبيرة مش هضحك عليكي ولا أغشك

أطرقت “آيات” برأسها فقال أم “آدم” وقالت :

– أنا همشى يا بنتى وربنا ينور قلبك ويرزقك الخير انتى و “آدم” ابنى .. حتى لو رفضتيه فده حقك يا بنتى محدش يقدر يجبرك على حاجة انتى مش عايزاها .. لو رفضتيه ربنا يباركلك ويرزقك باللى أحسن منه .. ويباركله ويرزقه باللى تسعد قلبه

ظلت “آيات” محتفظة بصمتها فقالت أم “آدم” وهى تخرج هاتفها من حقيبتها :

– هاتى رقمك يا بنتى وخدى رقمى خليه معاكى .. خلينا نسأل على بعض ونود بعض .. بعيد عن ابنى “آدم” وبعيد عن حكايتك معاه

تبادلا أرقام الهواتف ورحلت أم “آدم” بينما ظلت “آيات” جالسه مكانها على الأريكة .. تشعر بمشاعر كثيرة متضاربه بداخلها .. لكن أقسى شعور فيهم كان .. الخــوف .. الخوف من أن تُخدع مرة أخرى !

تنهدت وقامت لتغادر مكتبها بعدما شعرت بحاجتها الى استنشاق الهواء المنعش .. خرجت لتتقابل مع “إيمان” التى ابتسمت لها قائله :

– هتحضرى اجتماع بالليل ؟

تمتمت “آيات” :

– أيوة ان شاء الله

نظرت اليها “إيمان” وهى تتذكر حديث “أسماء” عن “على” وقالت لها :

– فى حاجة مضايقاكى يا “آيات”

أخذت “آيات” نفساً عميقاً ثم قالت :

– مش حاجة محددة .. تقدرى تقولى حاجات

اتعست عينا “إيمان” وهى تنظر الى نقطة خلف “آيات” .. ثم قالت بدهشة :

– بصى شوفى مين واقف مع “أسماء”

التفتت “آيات” لتتسع عيناها دهشة هى الأخرى .. رأت “آدم” واقفاً مع “أسماء” يتحدثان كمان لو كان بينهما حديثاً خاصاً وكل منهما يتطلع الى الآخر بإهتمام .. قالت “إيمان” وهى مازالت ترمقهما بنظراتها :

– يا ترى عايز منها ايه

حانت من “آدم” التفاته فرآى “آيات” تنظر تجاهه .. تأمل ملابسها الواسعة وحجابها الطويل بمزيج من الدهشة والإعجاب .. التفتت “آيات” وقالت لـ “إيمان” :

– هروح أشوف شغلى

دخلت “آيات” المبنى مرة أخرى وهى تتساءل بداخلها عن الحديث الذى يجمع بين “آدم” و “أسماء” فى تلك اللحظة

فى تلك اللحظة قالت “أسماء” لـ “آدم” بضيق :

– أرجوك يا دكتور ده موضوع يخصنى

قال لها “آدم” بحزم :

– بس والدك قلقان عليكي جداً .. واترجانى انى لو عرفت أى حاجه عنك أبلغهاله

قالت بضيق :

– أنا مش عايزه حد منهم يعرف مكانى .. أصلاً أنا مش فارقة معاهم .. محدش فيهم مهتم بيا .. هو تلاقى بس الناس كلت وشه لما مشيت فحب يرد اعتباره

نظر اليها “آدم” بإهتمام قائلاً :

– أنا مش عارف انتى لسه بتقولى كده .. بس الراجل فعلاً كان هيموت من قلقه عليكي .. وأنا مقدرش أبقى عارف مكانك وساكت .. انا لما شوفتك دلوقتى استغرب جداً .. لانى مكنتش متوقع انك تكونى هنا مع “آيات” .. ول كنت أعرف من الأول كنت كلمتك وعرفتك ان والدك بيدور عليكي

– لو سمحت يا دكتور “آدم” .. متقولوش حاجه

تنهد “آدم” قائلاً :

– بصى يا “أسماء” أنا اديته كلمه ووعدته انى لو عرفت مكانك هعرفه .. وهو فعلاً قلقان عليكي .. هديكي فرصة تظبطة أمورك ونفسيتك تهدى كده وبعدين هكلمه وأقوله على مكانك .. ماشى ؟

أومأت برأسها بإستسلام وقالت :

– ماشى .. بس متكلموش غير لما تعرفنى الأول

أومأ برأسه قائلاً :

– خلاص ماشى

فى تلك اللحظة أقبلت أم “آدم” فعرفهما “آدم” ببعضهما البعض ثم استأذنت “أسماء” للانصراف .. قال “آدم” الى أمه بإهتمام :

– عملتى ايه يا ماما ؟

ابتسمت قائله :

– كل خير يا حبيبى .. قولتلها كلمتين طلعوا من قلبي .. واللى ربنا رايده هيكون

ربتت على كتفه قائله :

– لو ليك نصيب فيها هتاخدها يا ابنى ومحدش هيقدر يقف قصادك .. أما لو ربنا مش كاتبهالك يبقى ترضى بنصيبك يا حبيبى وربنا ان شاء الله هيرزقك بغيرها

أطرق “آدم” برأسه وقلبه يصرخ : لا أتمنى غيرها .. أرجوك يارب ارزقنيها

فى تلك اللحظة خرج “كريم” من المبنى .. فإبتسم “آدم” فى وجهه قائلاً :

– أستاذ “كريم” لو سمحت

أقبل “كريم” فعرفهما “آدم” قائلاً :

– أستاذ “كريم” مدير القرية يا ماما

نظرت اليه أم “آدم” ببشاشه وقالت :

– أهلاً بيك يا ابنى ما شاء الله ربنا يحميك من العين

ابتسم “كريم” وقال :

– تسلمى يا حاجه

نظرت اليه بإعجاب وقالت :

– ما شاء الله قرية تشرح القلب .. ده انا كنت فى القرية التانية قافله على نفسى الباب وحبسه نفسى فى الشاليه ليل ونهار مكنتش بحب أخرج .. كنت بحس أستغفر الله انى فى مكان كله غضب من ربنا .. أما هنا ما شاء الله الواحد بيحس ان قلبه بيرفرف كده وهو ماشى فى القرية .. ربنا يباركلكوا يارب

اتسعت ابتسامة “كريم” وهو يقول :

– وأنا مبسوط جداً ان القرية عجبت حضرتك

قالت والدة “آدم” بحماس :

– عجبتنى أوى .. ده كفاية انكوا مبتعملوش حاجة تغضب ربنا .. والله الواحد كان خايف غضب ربنا ينزل على القرية التانية وهو فيها زى ما غضب ربا نزل على “عاد” و “ثمود” وأهلك اللى فيها كلهم بالمعاصى اللى كانوا بيعملوها .. بس هنا الحمد لله الواحد قلبه مستريح .. وكفاية يا ابنى ان مالكوا حلال .. أصل الحرام ده ربنا مبيباركش فيه .. بييجى من هنا والبركة تضيع من هنا .. ربنا يرزقكوا ويوسع عليكوا يارب

تمتم “كريم” :

ربنا يباركلك يا حجه تسلمى على الدعاء الجميل ده

ثم نظر الى “آدم” قائلاً :

– متنساش اجتماع بالليل يا دكتور

أومأ “آدم” برأسه مبتسماً وهو يقول :

– لا متقلقش مش ناسى

***************************************

أثناء انهماك “زياد” بجولته الإشرافية على الشاطئ .. رأى مجموعة من الأطفال يلعبون بالكرة .. دخل بينهم والتقط الكرة بقدميه وظل يأتى بحركات احترافيه .. نظر اليه الأطفال فى اعجاب ثم .. شرع فى اللعب معهم والأطفال يضحكون ويمزحون بمرح .. اندمج “زياد” فى اللعب بالكره مع الأطفال وقد تعالت ضحكاتهم وصيحات الإعجاب بلعب “زياد” المحترف .. فجأة تعالت الأصوات على الشاطئ بالصراخ فأحد الأطفال يغرق فى الماء .. اندفع “زياد” بسرعة ناحية البحر وأخذ يجدف بيديه وقدميه الى أن انتشل الطفل من الماء .. وضعه على الأرض ليجد وقد انقطع تنفسه تماماً .. لم ينتظر للبحث عن أهل الطفل بل انطلق كالمجنون متوجهاً الى .. عيادة الأطفال !

سمعت “سمر” هرج ومرج بالخارج وصت رجل يصيح :

– فين الدكتورة اللى هنا الولد هيموت

خرجا “سمر” من مكتبها مسرعة مرتدية معطفها الأبيض .. هتفت :

– ايه فى ايه ؟

لم يجيبها “زياد” بل اقتحم الغرفة .. وخرجت الأم التى كانت عندها فى المكتب ومعها طفلها بعدما رأت “زياد” يمدد الطفل فوق سرير الفحص وهو يصيح بأنفاس متقطعة :

– الولد غرق فى البحر .. مبيتنفسش

أبعدت “سمر” “زياد” بيدها وهوت على صدر الطفل بسماعتها .. لا تنفس .. لا نبض .. قامت على الفور بعمل تنفس صناعى للطفل .. وقف “زياد” قراقبها وهى تعمل بسرعة وبإصرار .. لم يتحرك الطفل ظل ساكناً .. لمعت العبرات فى عين “زياد” مختلطة بالماء الذى بلل عيينه ووجهه وملابسه بالكامل .. وأخيراً شهق الطفل بقوة فقامت “سمر” على الفور بإمالته ليستطيع اخراج كل الماء المحتبس داخل رئتيه .. كح الطفل بقوة الى أن سكن .. نظرت اليه “سمر” تتفحصه وتمتمت بقلق :

– حبيبى انت كويس .. حاسس بإيه

أشار الى صدره وهو يبكى قائلاً :

– هنا بيوجعنى

نظرت بشفقة وألم الى الطفل ذو الخامسة من عمره .. ومسحت على شعره قائله بحنان :

– معلش ده من التنفس الصناعى اللى عملتهولك .. شوية وهتبقى كويس

أومأ الطفل برأسه والدموع فى عينيه .. أخذ “زياد” يتمتم فى خفوت :

– الحمد لله .. الحمد لله

التفتت اليه “سمر” بحده وقد كادت أن تنسى وجوده .. نظرت اليه قائله :

– وحضرتك كنت فين لما كان بيعوم فى البحر ؟

قال “زاد” بانفاس متقطعة :

– كنت بـلعب مع ………

قاطعته هاتفه بغضب :

– كنت بتلعب .. بتلعب وسايب ابنك يعوم لوحده فى البحر وهو فى السن الصغير ده

نظر اليها “زياد” يحاول افهامها الوضع :

– لا أنا …….

لكنها قاطعته وهى تنظر اليه بإحتقار قائله :

– انت معندكش ضمير ولا عندك احساس .. اللى زيك خسارة ان ربنا ينعم عليه بنعمة الأطفال .. لما تسيب طفل صغير زى ده يعوم فى البحر لوحده وتقولى انك كنت بتلعب تبقى بجد متستاهلش تكون أبوه

نظر اليها “زياد” بحده هاتفاً :

– افهمى الأول وبعدين اتكلمى

قاطع صياحهما فى وجه بعضهما البعض دخول رجل الى غرفة الفحص وهو يهتف بلوعة :

– محمد فين ؟

نظر الى الفراش ثم أسرع بمعانقة الصغير وهو يبكى قائلاً :

– محمد انت كويس .. يا حبيبى

نظرت اليه “سمر” بدهشة عندما قال الطفل بصوت باكى :

– أنا خايف يا بابا

رفعت “سمر” نظرها لتنظر الى “زياد” الذى عقد ذراعيه أمام صدره وهو يرفع حاجبيه وينظر لها بقوة .. شعرت بالخجل لأنها صبت جام غضبها على الشخص الخطأ .. التفت والد الطفل قائلاً بصوت مضطرب :

– هو كويس يا دكتورة

قالت بحزم :

– أيوة كويس .. بس لو سمحت خد بالك منه بعد كده .. ده صغير مينفعش ينزل البحر لوحده

قال “زياد” بلؤم وبنبره بارده :

– ايه الهدوء ده .. مش هتسمعيه الموشح اللى سمعتيهولى من شوية ؟

أشاحت “سمر” بوجهها عنه بينما نظر اليه الرجل بإستغراب ثم عاد ينظر الى “سمر” قائلاً :

– أقدر أخده دلوقتى

قالت بإقتضاب :

– أيوة اتفضل

حمل الرجل ابنه وغادر غرفة الفحص .. التفتت تنظر الى “زياد” الذى مازال يعقد ذراعيه أمام صدره ثم قال :

– مش ناوية تعتذرى ؟

قالت بحزم :

– لأ .. اتفضل اطلع عشان فى كشوفات بره

أومأ برأسه وقال قبل أن يغادر :

– ماشى .. هسامحك بس عشان مراعى الخضة اللى كنتى فيها

خرج “زياد” وعادت “سمر” الى ممارسة عملها المعتاد

****************************************

جلس “زياد” بصحبة “آدم” فى مطعم القرية يتناولان طعامهما .. قال “زياد” :

– وبعدين .. خالتى قالتلك تتفائل ولا تصرف نظر يعني ؟

تنهد “آدم” قائلاً :

– معرفش .. قالتلى لو نصيبك هتاخدها ولو مش نصيبك ربنا يرزقك باللى تسعدك

قال “زياد” وهو يرشف من كوبه :

– بصراحة انت مفيش فى ايدك حاجة تعملها يا “آدم” .. يعني بعد زيارة خالتى ليها لو هى لسه مصره على الرفض .. يبأه خلاص يا ابنى انساها

توقف “آدم” عن تناول طعامه وهو ينظر الى “زياد” قائلاً :

– أنساها ؟

ترك الملعقة من يده واستند بمرفقيه فوق الطاولة وهو يقول :

– “زياد” .. أنا لما حبيت “آيات” .. حبيت فيها برائتها وحنيتها وطيبة قلبها .. لكن دلوقتى أنا مش بحب “آيات”

نظر اليه “زياد” فأكمل “آدم” بحزم :

– أنا بعشقها

تبادلا النظرات قليلاً .. ثم قال “آدم” :

– “آيات” اتغيرت .. معدتش “آيات” بتاعة زمان .. شخصيتها بأت أقوى بكتير .. بأت بتعرف تتحمل المسؤلية .. بأت بتعرف تقف على رجليها .. بأت بتعرف تتحدى وتقاوم .. بأت واثقة فى نفسها جداً .. أنا لو كنت بحبها قبل كدة 70% فأنا دلوقتى بحبها 100%

صمت وهو يتطلع الى البحر بجواره يسمع هدير أمواجه ثم قال :

– “آيات” مبتعرفش تكره .. يمكن دى أكتر حاجة جذبتنى ليها فى البداية .. قلبها أبيض أوى ونضيف أوى مبتعرفش تكره .. مبتعرفش تحقد على حد ولا تأذى اللى أذاها

ثم نظر الى “زياد” قائلاً بحماس :

– انت متعرفش يا “زياد” “آيات” كانت بتحبنى ازاى .. مكنتش بتسمع كلامها ليا ولا بتشوف نظراتها ولهفتها وخوفها عليها .. مكنتش بتحس اللى أنا بحسه .. “آيات” كانت بتحبنى جداً وأنا واثق انها حتى لو كانت دلوقتى مجروحه منى .. إلا ان مستحيل تكون كل مشاعرها ماتت .. أكيد لسه فى ولو جزء بسيط

قال “زياد” :

– بس يا “آدم” هى معدتش بتثق فيك .. معدتش هتقدر تستمر معاك وانت جارحها كده .. صعب عليها

تنهد “آدم” قائلاً بحزم :

– بالعكس .. “آيات” لو اتجوزت واحد تانى غيري وكونت معاه أسرة وشلتنى من حسابتها .. مستحيل هتنسى الجرح اللى جرحتهولها .. هيفضل معلم جواها .. حتى لو حبت التانى ده .. برده مستحيل تنسى مشاعرها نحيتي ولا تنسى انى كنت السبب فى ان قلبها يتكسر .. لكن لو رجعتلى أنا هنسيها الألم اللى شافته بسببى .. لو رجعتلى هداوى جرحها يا “زياد” وهتنساه ومش هتفتكره تانى .. مش هيألمها تانى

صمت “زياد” لا يدرى ما يقول .. فأكمل “آدم” :

– لو كانت اللى موجودة دلوقتى هى “آيات” القديمة .. كان ممكن أحاول أنساها وأدور على غيرها .. لكن دلوقتى لأ .. مش هقدر .. دلوقتى بقت البنت اللى بحلم بيها فعلاً .. زمان قولتلها انتى فتاة أحلامى ومكنتش حاسسها .. لكن دلوقتى بقولها ومن قلبي .. “آيات” هى فتاة أحلامى يا “زياد” ازاى أسيبها تضيع من ايدي

طرق على الطاولة بقبضته وهو يقول بحزم :

– أنا واثق انها لو اتأكدت انى اتغيرت هترجعلى .. هى بس محتاجه تتأكد انى اتغيرت وانى مش هخدعها تانى ولا هكدب عليها تانى .. هى دى مشكلتى انى أثبتلها ده .. لو قدرت فعلاً أخليها تصدقنى .. أنا واثق انها هترجعلى .. عشان كده مش هستسلم .. لازم أخليها تصدقنى

نظر “زياد” الى ساعته قائلاً :

– طيب يلا عشان منتأخرش على الإجتماع

****************************************

قرأ “عاصى” أحد عناوين الصحف بغضب بالغ :

– بنت عائلة اليمانى .. ترفض العمل فى قرية عمها بسبب تدنحى مستوى العمل بها

كرمش الجريدة بين قبضتيه بقوة وهو يهتف :

– أهو ده اللى كنت خايف منه .. ماشى يا بنت “عبد العزيز” .. خليتي اللى يسوى واللى ميسواش يتكلم عننا .. إما وريتك مبقاش أنا “عاصى”

…يتبع

 

عرض التعليقات (13)