رواية قطة في عرين الأسد بقلم بنوتة اسمرة الحلقة السادسة

22 4٬146
 

رواية قطة في عرين الأسد بقلم بنوتة اسمرة الحلقة السادسة

رواية قطة في عرين الأسد بقلم بنوتة اسمرة الحلقة السادسة

رواية قطة في عرين الأسد بقلم بنوتة اسمرة الحلقة السادسة

رواية قطة في عرين الأسد بقلم بنوتة اسمرة الحلقة السادسة, معكم صديقة زاكي الشيف الموهوبة ,

الفصل السابع عشر من رواية قطة فى عرين الأسد

استيقظت “مريم” فجراً وتوضأت وارتدت اسدالها .. نظرت الى “مراد” النائم فى حيرة .. أتوقظه أم لا .. اقتربت منه .. يا الله ما أشد الشبه بينه وبين “ماجد” .. لم تكن لتجرؤ على النظر اليه وهو مستيقظ خشية أن يسئ تفسير نظراتها كما فعل من قبل .. لكنها الآن تتفرس فى ملامحه التى طالما أحبتها وعشقتها .. كان لديها عشرات الصور لـ “ماجد” لكن الصورة التى أمامها الآن حية تتنفس وتتحرك .. أخذت تتطلع الى ملامحه وهى تستعيد ذكرياتها مع “ماجد” .. وقفت دقائق عدة الى أن انفتحت تلك العينان لتنظران اليها فى ظلام الغرفة .. فزعت وانتفض جسدها ورجعت خطوة للخلف .. جلس “مراد” على فراشه وهو مازال ينظر اليها .. كانت تشعر بإضطراب وتوتر بالغ قالت بصوت مضطرب للغاية :

– الفجر .. وانت كنت نايم

كانت تتلعثم بشدة .. هربت من أمام ناظريه وخرجت من الغرفة وهى مغتاظه من نفسها بشدة .. صلت فى حجرة المعيشة وأيقظت البنات وأسرعت بالعودة الى الغرفة والتظاهر بالنوم قبل أن يعود “مراد” من المسجد

*********************************************

جلس “سامر” فى حجرة الإجتماعات فى انتظار حضور “مراد” و “طارق” .. دخل “طارق” واقترب من “سامر” قائلاً :

– ألف مبروك يا “سامر” وآسف جداً انى معرفتش آجى امبارح

جلس “طارق” قبالته فابتسم “سامر” قائلاً :

– ولا يهمك يا “طارق” .. “مراد” قالى امبارح

فتح “طارق” أحد الملفات التى أمامه وقال :

– ها ايه الأخبار بعت كام لوحة

ضحك “سامر” قائلاً:

– معظم اللوحات اللى كانت معروضة امبارح اتباعت

ضحك “طارق” قائلاً :

– كويس انى مجتش كان زمانك فلستنى .. أصلاً رسمك كتير بيعجبنى لو كنت جيت كنت خدتهم كلهم

قال “سامر” بخبث :

– سيبك انت من اللوح .. هو ايه اللى بيحصل بالظبط .. المزة بتاعتك لقيتها جايه امبارح مع “مراد”

قال “طارق” بإستغراب :

– مزة مين

ابتسم “سامر” وهو يغمز بعينه قائلاً :

– الديزاينر بتاعتنا اللى كل شوية تتحجج وتروح الشركة تشوفها

أغلق “طارق” الملف بعنف وهتف بـ “سامر” :

– انت قولت لـ “مراد” ايه ؟

قال “سامر” :

– ما قولتلوش حاجه عنك قولتله بس انى كنت رايح أظبطها وبعدين معجبتنيش

شعر “طارق” الضيق وهتف به :

– مكنش لازم تنطق أصلاً .. ممكن دلوقتى ياخد عنها فكرة غلط

قال “سامر” وهو يضيق عيناه :

– هى ايه الحكاية بالظبط

قال “طارق” بضيق :

– الحكاية ان “مراد” اتجوزها

هتف “سامر” بدهشة :

– ايه .. اتجوزها .. أنا كنت فاكرها صحبته

نظر اليه “طارق” بغيظ قائلاً :

– ليه من امتى كان “مراد” بيصاحب يعني .. انت مش عارف طبعه ولا ايه

قال “سامر” :

– ده أنا عكيت الدنيا آخر عك .. عشان كده حسيته غار لما قولته انى كنت رايح أظبطها

سأله “طارق” بإهتمام :

– غار ازاى يعني

قال “سامر” :

– مرضاش يخليها تتكلم معايا ولا حتى رضى يقف معايا وطول الوقت وهو واقف فى جمب معاها كإنه بيحرسها .. ولما حاولت أوجهلها كلام تانى استأذن وخدها ومشى

كان “طارق” يمعن التفكير فيما سمعه من “سامر”

كان “مراد” فى مكتبه وعلامات الالم على وجهه .. كان يشعر بألم شديد فى ساقه .. طوال الأيام الماضية لم يخلع ساقه الصناعية أبداً وذلك بسبب مشاركة “مريم” اياه غرفته .. لم يكن ليجرؤ على أن يظهر اعاقته أمامها .. كان يتحمل الألم أثناء نومه إلى أن اشتد به وأصبح لا يطاق .. فإضطر الى خلعها فى مكتبه .. وأمر السكرتيرة بإحضار “طارق” و “سامر” الى مكتبه .. بعد قليل حضر الاثنان فقال “مراد” محاولاً تجاهل الألم فى ساقه :

– خلونا نتكلم هنا

جلس الإثنان وقال “سامر” :

– طيب يا جماعة نتكلم الأول فى الماركة الجديدة والمشروع اللى متعطل ده

قال “طارق” موجهاً حديثه لـ “مراد” :

– “مريم” هتبتدى الشغل امتى الوقت مش فى صالحنا

اندهش “مراد” من شعور الضيق الذى راوده وهو يسمع اسم “مريم” من “طارق” بلا ألقاب .. ظهرت علامات الضيق على وجهه وتظاهر بالإطلاع على الملف الذى أمامه وهو يقول بجدية وحزم :

– اسمها “مدام” مريم

نظر اليه “طارق” بتمعن .. وظهر عليه الضيق هو الآخر .. فقال “سامر” :

– طيب هتبتدى الشغل امتى ؟

قال “مراد” وهو ينظر اليه :

– هتفق معاها النهاردة ان شاء الله

قال “سامر” :

– طيب تمام .. يبقى نجتمع معاها فى أقرب وقت ويفضل يكون بكرة عشان تبتدى هى الشغل من بكرة أو بعده بالكتير

نظر اليه “مراد” بحده وقال بحزم :

– مفيش داعى تيجى الإجتماع .. نتفق احنا التلاته على اللى احنا عايزينه وأنا هبلغها

قال “سامر” بتوتر :

– طيب تمام زى ما تحب أنا مكنش قصدى حاجه

تابع “طارق” “مراد” بعينيه والذى كان يبدو عليه العصبية ثم قال بهدوء :

– خلاص يا “مراد” زى ما انت قولت .. وعامة زى ما انت عارف ذوقى وذوقك واحد يعنى اتفق معاها انت على اللى انت شايفه وان شاء الله أنا و “سامر” مفيش اعتراض بالنسبة لنا

أومأ “مراد” برأسه دون أن ينظر اليهما .. وانتهى الإجتماع .. خرج “سامر” أولاً وقبل أن يخرج “طارق” بدا عليه التردد ثم التفت الى “مراد” قائلاً :

– اسمه “ماجد”

رفع “مراد” رأسه بحده ونظر الى “طارق” .. فأكمل “طارق” بهدوء :

– عامة هتلاقى عندك فى قسيمة الجواز كل بياناته لازم المأذون يكون كاتبها

قال ذلك ثم انصرف وترك “مراد” شارداً .. اذن فالإسم الذى كانت تردده “مريم” أثناء مرضها كان اسم زوجها .. تُرى أأحبته لدرجة أن تذكر اسمه فى مرضها وهو الذى توفى منذ أكثر من عام ! .. أيعقل انها مازالت تحبه حتى الآن ؟! .. أخذت الأسئلة تلاحقه دون أن بجد لها أى اجابه ..

************************************************

طرقت “ناهد” باب غرفة “نرمين” فتحت “نرمين” فى وجوم فقالت “ناهد” وهى تنظر اليها بإمعان :

– “نرمين” مالك .. بقالك يومين أعدة فى أوضتك ومش راضية تنزلى تعدى معانا .. فى ايه

قالت “نرمين” محاولة اخفاء ما تشعر به :

– مفيش يا ماما .. مصدعة شوية

اقتربت منها “ناهد” وتفحصت حرارتها وقالت :

– حرارتك عادية .. أمال من ايه الصداع اللى بقاله يومين ده

قالت “نرمين” بنفاذ صبر :

– خلاص يا ماما شوية وهيروح أنا هنام دلوقتى

قالت “ناهد” بحنان :

– طيب يا حبيبتى ولما “مراد” ييجى هخليه ياخدلنا معاد من الدكتورة ونشوف سبب الصداع ده ايه

قالت “نرمين” :

– ماما مفيش داعى أنا كويسة

قالت “ناهد” بإصرار :

– حبيبتى لازم نعرف سبب الصداع ده ايه ده بقاله يومين مش بيروح .. يلا نامى دلوقتى ولما ييجى “مراد” هصحيكى

دخلت “نرمين” وألقت بنفسها على الفراش وتركت لعبراتها العنان وهى تعلم جيداً أنه لا يوجد دواء فى العالم بإستطاعته أن يريحها ويشفى ما ألم بها .

************************************************

– كيفك يا ابنيتي وكيف جوزك

تلقت “مريم” اتصالاً من جدها وجدتها فكانت سعادتها غامرة وقالت :

– الحمد لله بخير يا جدو ازيك وازى تيته .. وعمو أخباره ايه دلوقتى

قال “عبد الرحمن” :

– امنيح يا بنيتي لا تجلجى .. من آخر اتصال بيناتنا وهو عم يتحسن يوم بعد يوم الحمد والشكر ليك يا رب

قالت “مريم” بتأثر :

– وحشتنى أوى يا جدو انت وتيته .. وازى “صباح” عاملة ايه

قال “عبد الرحمن ” :

– امنييحه الحمده لله .. وانتى يا بنيتي وحشانا كتير ربنا يطمنا عليكي دايماً

اغرورقت عينا “مريم” بالعبرات بعدما أنهت المكالمة .. لكم اشتاقت اليهما بشدة ..

قال “عبد الرحمن” لزوجته :

– الحمد لله اطمنا عليها

قالت “زوجته: بأسى :

– وحشتنى جوى جوى يا حاج .. ياريت نبجى نروح نزورها جريب .. احنا علينا ليها حج بردك

قال “عبد الرحمن” وهو يتنهد بحسره :

– حج ليها ولأبوها .. ظلمته كتير جوى .. لولا ظلمى ليه كان زمانى عارفها من زمان .. ياريتنى كنت حوطت على “خيري” ولدى زى ما “سباعى” و “بهيرة” حوطوا على “خيري الهواري” .. كان زمانى متحرمتش منه ومن ولاده

قالت زوجته بحزن :

– ياما جولتلك يا حاج .. “خيري” راجل ويعرف ربنا بلاش تجسى عليه .. بس انت مكنتش بتسمع لحدا واصل

قال “عبد الرحمن” بأسى :

– كان الغضب والشك عميني .. والكلام اللى كنت عم بسمعه مكنش جليل .. كان لازمن أعرف انه بجه راجل وادرى بصالحه .. كان لازمن أبجى واثج فيه أكتر من اكده

قالت زوجته :

– خلاص يا حاج اللى فات مات .. ربنا يسامحنا كلياتنا .. كلياتنا أسأنا الظن فيه .. ربنا يجدرنا ونعوض بنته عن اللى عيميلناه فى أبوها الله يرحمه

**********************************************

دخل “سباعى” حجرة “جمال” بالمشفى وهتف قائلاً :

– كيفك دلوجيت يا ولدى

قالت زوجته الجالسه بجوار “جمال” تطعمه بيدها :

– امنييح يا حاج .. الحمد لله

قال “جمال” مبتسماً :

– امنييح يا بوى .. بس الوكل اللى عم توكلنى اياه أماى هو اللى هيجصف عمرى عن جريب

هتفت أمه فى عتاب :

– اكده يا “جمال” ده آنى عملالك الوكل ده بيدي ومرضيتيش حد يمد يده فيه غيري

قال “جمال” :

– تسلم يدك يا أماى

التفت “جمال” الى والده وقال :

– لسه مليجيوش اللى عيمل اكده يا بوى

قال “سباعى” وهو يجلس على أحد المقاعد :

– آنى لسه جاى من الجسم دلوجيت .. وعرفت انهم ليجيو سلاح مرمى فى صندوج الزبالة اللى جمب البيت .. عم يدوروا دلوجيت السلاح ده بتاع مين وبيجولوا هيبعتوه المعمل الجنائي عشان يعرفوا الرصاصة انطخت منيه ولا لا

قال “جمال” بغل :

– آه لو أعرف مين اللى طخنى كنت جتلته بيدي

قال “سباعى” نحذراً :

– سيب الحكومة تتصرف يا ولدى هما أدرى بشغلهم .. ولما يعرفوا اللى طخك هما اللى هيجيبولك حجك منييه محناش عايشين فى غابة عاد

صمت “جمال” وهو يفكر بالتوعد لمن جرؤ وأطلق عليه النار يوم عرسه

************************************************** *

عاد “مراد” فى المساء حاملاً أحد الملفات فتح الباب وتوجه أولاً الى مكتبه .. وضع الملف على المكتب وأخذ فى البحث عن قسيمة الزواج التى وضعها فى أحد أدراج المكتب .. قاطعه فجأة اتصال هاتفى ينبئه بخبر زرفت له عيناه الدموع .. وبكى قلبه ألماً وحسرة … موت عمته “بهيرة”

شعر “مراد” بالأمل فى قلبه وروحه لقد افتقد حضناً حانياً لا تقل محبته لها عن محبة “ناهد” .. استرجع وقال :

– انا لله وانا اليه راجعون اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيراً منها

قال “سباعى” بصوت باكى :

– الله يرحمها كانت ست مشفتش زييها .. الله يغفرلها ويرزقها الجنة

قال “مراد” وهو يحاول أن يفيق من صدمته :

– هجيلكوا حالا يا عمى

قال “سباعى” :

– بلاش تيجي يا ولدى .. عيلة المنفلوطي هيكون عينيهم مصحصحه لانهم هيبجوا عارفين ان أكيد “خيري” أو ولاده هيكونوا فى الدفنه

قال “مراد” بحزم :

– لازم أحضر دفنة عمتى يا عمى .. أنا جاى حالا

أغلق “مراد” الهاتف وهو يشعر بالحزن والأسى .. حملته قدماه بصعوبة الى أن توجه الى غرفة المعيشة حيث اجتمع الجميع وأنبأهم بهذا الخبر .. فتعالت الشهقات بالبكاء المرير .. كانت “مريم” تبكى تلك السيدة الطيبة من أعماق قلبها فلقد أحبتها ليس فقط لكونها أنقذتها من الزواج من “جمال” بل لأنها عمة “ماجد” لمست طيبتها وحنيتها فشعرت وكأنها افتقدت أمها للمرة الثانية .. أصرت “ناهد” على السفر مع “مراد” .. على الباب وقفت “سارة” تودعهما فالتفت “مراد” الى “سارة” الباكية قائلاً :

– مش هنتأخر يا “سارة” ان شاء الله هنرجع بكرة بالليل .. خلى بالك من أختك

صمت قليلا ثم قال :

– ومن “مريم”

أومأت “سارة” برأسها والدموع تنهمر من عينيها ..

دخلت “مريم” غرفة “مراد” وانهارت على الأريكة .. كانت تبكى “بهيرة” وتبكى الوضع الذى أصبحت فيه بمفردها .. فها هى منقذتها من هذا الزواج قد رحلت عن الدنيا .. جلست تسترجع وتدعو لها بالرحمة والمغفرة .. لم تشعر “مريم” بمضى الوقت وهى جالسه على الأريكة تحتضن قدميها الى صدرها .. أمسكت هاتفها الموضوع بجواها ونظرت الى الساعة التى تشير الى الثانية عشر الا خمس دقائق .. ياااه كم هى الآن فى أمس الحاجة لكلمة واحدة من كلمات “ماجد” .. تلك الكلمات التى تبث فيها الأمل وتحثها على الصبر وتطيب جروح روحها .. نظرت بلهفة الى تلك الأرقام وهى تتبدل كل دقيقة الى أن أتت اللحظة المنشودة .. قامت بلهفة وتوجهت الى الحقيبة الصغيرة التى تخفيها بين ملابسها فى الرف المخصص لها بالدولاب .. بحثت عن الخطاب الذى يحمل الرقم التالى .. أخذته بلهفة وجلست على الأريكة تحتضنه بين كفيها وتتعلق به كالغريق الذى يتعلق بقشة فى وسط بحر عميق مظلم .. همت بفتح الخطاب .. لكن يداها توقفت فجأة وتسمرت مكانها عندما وقع نظرها على الدبلة التى نقلتها “ناهد” من يدها اليمنى الى يدها اليسرة .. رفعت نظرها لتنظر الى فراش “مراد” وكأنها تنظر الى “مراد” نفسه .. توقف عقلها عن العمل للحظات ثم عاد ليعمل بسرعة جنونية .. أمن حقها أن تفتح هذا الخطاب ؟ .. هل هذا أمر صحيح ؟ .. أتعد هذه خيانة ؟ .. كيف خيانة وهذا ليس بزواج طبيعى ؟ .. حتى ولو لم يكن زواج طبيعى فهذا زواج أمام الله عز وجل ؟ .. هل لـ “مراد” عليها حقوق الزوج أم لا ؟ .. أليس من حق الزوج أن تحفظه فى نفسها ؟ .. أيصح أن تكون متزوجة من رجل وتقرأ خطابات رجل آخر ؟ .. هل هذه خيانة ؟ .. ظلت الأسئلة تقفز الى عقلها بسرعة لدرجة لم تستطع معها الإجابة على أى منها .. كيف لا تقرأ خطابات “ماجد” ؟ كيف تحرم منها ؟ .. تلك الخطابات هى سلواها الوحيدة فى هذه الدنيا؟ .. كيف تستطيع منع نفسها من فتح هذا الخطاب ومعرفة ما بثها اياه “ماجد” ؟ .. كيف تمنع نفسها من الشئ الوحيد الذى أبقاها محتفظة بعقلها بعدما آلم بها من مصائب ؟ .. كيف تمنع نفسها من الشئ الوحيد الذى يجعلها تتواصل مع “ماجد” كما لو أنه مازال حيا ؟ .. لكن كيف تخون “مراد” أمام الله إن كانت هذه بالفعل تعد خيانة ؟ .. أهذا فعلا محرم ؟ .. أهذه خيانة ؟ .. لا ولم ولن تكون خائنة .. تلك الكلمة القاسية لن تسمح بأن تنحدر لمستواها يوماً .. ظلت تحتضن الخطاب بين كفيها وفى عينيها ألم وحيرة كبيرة .. تقافزت العبرات من عينيها كل عبرة تصارع الأخرى لتسقط قبلها .. ظلت جالسه تحتضن الخطاب وهى لا تدرى ماذا تفعل .. وأخيرا حسمت أمرها ونهضت وأعادت الخطاب مرة أخرى الى الحقيبة بأيدٍ مرتعشة دون أن تقرأه .. أغلقت الدولاب ووقفت أمامه تسند جبينها اليه وقلبها يعتصر ألماً وقهراً وهو يقول : آسفة حبيبى لم يعد يحل لى قراءة خطاباتك الآن لأننى أصبحت زوجة لآخر .

دُفنت “بهيرة” وقد زرفت عليها دموع الرجال والنساء .. كانت “بهيرة” تتمتع بالحكمة ورجاحة العقل والطيبة وكان لها شعبية كبيرة وسط القبيلة .. صلى الجميع صلاة الجنازة وشيعوا جثمانها .. شارك “مراد” فى دفن عمته وقلبه يبكى قبل عيناه .. ظل يدعو لها ويستغفر لها الى أن حثه “سباعى” على مغادرة المقبرة .. توجه الجميع الى بيت “سباعى” كبير عائلة الهواري .. قدم “عبد الرحمن” واجب العزاء وجميع أفراد عائلة السمري الذين أحزنهم فقد تلك المرأة .. تجمعت النساء أيضاً فى بيت “سباعى” وقامت زوجته بواجب الضيافه .. بكت الكثير من النساء لفقدها فكل منهن تتذكر موقفاً طيباً من تلك المرأة فلكم ساعدت المحتاجين ورفقت بحال المظلومين ونصرت المستضعفين فكانت مثالاً للمرأة الصالحة .. فانهالت الدعوات لها بالرحمة والمغفرة

*************************************

أمضت “مريم” ليلها ساهرة وقد جفاها النوم .. خرجت فى الصباح لتجد “نرمين” و “سارة” جالستان فى الحديقة فلحقت بهما .. وجلست بجوارهما .. قالت “نرمين” بصوت باكى :

– مش قادرة أصدق انها ماتت واننا مش هنشوفها تانى

تمتمت “سارة” باكية :

– ربنا يرحمها

قالت “مريم” بتأثر :

– اللهم آمين .. بجد كانت ست طيبة أوى

ثم التفتت الى الفتاتان قائله :

– لازم تعملولها صدقة جارية يا بنات .. هو ده اللى هينفعها دلوقتى

أومأت الفتاتان برأسيهما فى صمت .. قالت “مريم” :

– بتصل بطنط “ناهد” كتير موبايلها مقفول .. هقوم أتصل بجدو وأشوف الأخبار ايه

قالت “سارة” :

– اتصلى بـ “مراد”

نظرت اليها “مريم” وأومأت برأسها بتوتر .. فهى لا تعلم رقم “مراد” وحتى لو علمت فما كانت ستجرؤ على الإتصال به .. اتصلت بجدها وعرفت منه أنهم انتهوا من دفنها .. لحظات واتصل “مراد” بـ “سارة” واخبرها أنهم سيضطرون للمبيت وسيحضرون فى الغد .. واتصل بمكتبه وأخبر سكرتيرته بسفره اليوم وبأن تعمل على الغاء كل مواعيده واجتماعاته لهذا اليوم ..

**************************************

– البقاء لله يا حبيبتى

قال “حامد” ذلك على الهاتف فهتفت “نرمين” بغضب وهى تغلق باب غرفتها جيداً :

– أفندم عايز ايه

قال “حامد” :

– تؤ تؤ اتكلمى معايا بإسلوب أحسن من كدة وإلا انتى عارفه كويس ايه اللى ممكن يحصل

أجهشت “نرمين” فى البكاء وقالت :

– انت عايز منى ايه حرام عليك .. “مراد” لو عرف هيقتلنى ويقتلك

قال “حامد” :

– وعشان ميعرفش هتعملى اللى هقولك عليه دلوقتى خاصة ان “مراد” مسافر يعني هتقدرى تتحركى بحرية

قالت بريبه :

– اعمل ايه

قال “حامد” :

– هتدخلى زى الشاطرة مكتب أخوكى هتلاقى عليه ملف اسمه “دراسات مصنع الملابس” هتجبيلى الملف وهكون مستنيكي فى العربية ادام الفيلا تيجي تسلميني الملف وامسح أدامك الصور ولا من شاف ولا من درى

قالت “نرمين” وهى تعاود البكاء :

– انت عاوزنى اسرق اخويا

– تؤ تؤ عيب عليكي دى مش سرقة

قالت “نرمين” بحده :

– لو لقى الملف مش موجود هيسألنا كلنا

قال “حامد” :

– متقلقيش يا قلبي انا هاخد منه نسخه وأرجعهولك تانى

قالت “نرمين” باكية :

– مش هقدر اعمل كده

قال “حامد” بغضب :

– طيب حلو اوى سلام بأه عشان عايز ابعت رسالة مهمة لاخوكى تجيبه من الصعيد على ملى وشه

هتفت “نرمين” بلهفه :

– لا استنى ارجوك اوعى تبعت حاجه لـ “مراد” ده هيموتنى

قال “حامد” ببرود :

– هستناكى ادام باب الفيلا الساعة خمسة .. خمسة ودقيقة هبعت صورك لاخوكى .. سلام يا حبي

أجهشت “نرمين” فى البكاء وهى لا تدرى ماذا تفعل اتلبي طلبه منها .. أم تخاطر بأه يرى “مراد” تلك الصور التى تم التلاعب بها والتى بالتأكيد ستثير جنونه ؟!

******************************************

فى الخامسة الا ربع فوجئت “نرمين” برسالة من “حامد” يذكرها بموعدهما أمام الفيلا .. وأرفق مع الرسالة احدى الصور التى تم التلاعب بها فأجهشت فى البكاء وهى تقول :

– حسبي الله ونعم الوكيل

كان خوفها من رد فعل اخيها أكبر من حذرها وأكبر من قدرتها على التفكير بوضوح .. فدخلت المكتب وأخذت تبحث عن الملف المطلوب .. لم تستغرق وقتاً فى البحث فقد كان الملف موضوعاً فوق المكتب وهو أول ما وقعت عليها عيناها .. أخذت الملف بأيدٍ مرتجفة .. وغادرت الفيلا دون أن يراها أحد .. مشيت فى اتجاه البوابة وقدماها تصطكان ببعضهما من شدة الخوف .. كانت تعلم بأنها تضيف الى رصيد أخطائها خطأ جديداً لكنها كانت تشعر بأنه ليس فى يديها حيلة فهى لن تخاطر بأن ينفذ “حامد” تهديده ويرسل الصور لـ “مراد” .. خرجت من البوابة لتجده قد اصطف سيارته على بعد أمتار جالساً أمام المقود وينظر اليها مبنتسماً .. شعرت بالكره الشديد له .. وانقلبت كل ذرة اعجاب له فى قلبها الى احتقار .. توجهت الى السيارة وهى تنظر حولها خشية ان يراها أحد ثم فتحت باب السيارة ومدت يدها بالملف .. أمرها قائلاً :

– اركبي لحد يشوفك

قالت له بتوتر :

– لا خد الملف وامسح الصور

أخرج هاتفه وقال :

– اركبي هتخلى الناس تاخد بالها مننا

نظرت حولها وركبت خشية ان يراها أحد فى مثل هذا الوقت .. بمجرد ان دخلت السيارة أحكم اغلاق الأبواب آلياً .. فزعت “نرمين” وحاولت فتح الباب ففشلت نظرت اليه برعب فضحك قائلاً :

– وقعت فى المصيدة يا جميل

أجهشت “نرمين” فى البكاء وهى تحاول فتح الباب قائله :

– افتح الباب .. ارجوك افتح الباب

قال “حامد” وهو يخرج من جيبة قطعة قماش مغمورة بسائل مخدر :

– أخوكى خسرنى صفقة بالملايين كل ده عشان بوست موظفه عنده طيب يشوف بأه اللى هيحصل فى أخته .. أخته الحلوة اللى أنا واثق انها هتخاف تفتح بقها بكلمة واحدة

كانت كلماته مفعمة بالكرة والبغض .. أخذت “نرمين” بالصراخ لكن قبل أن تصل صرخاتها الى أحد أطبق على فمها وأنفها بالمخدر ففقدت وعيها .. أدار السيارة وانطلق بها …

لم تسير السيارة الا عدة أمتار ليضطر “حامد” الى الضغط على المكابح بعدما ظهرت أمامه “مريم” تمنعه من التحرك بسيارته وتضرب بيدها على السيارة من أمام وتصرخ مستنجدة بالناس .. لم يستطع التحرك الى الأمام فحاول الرجوع الى الخلف لكن صرخات “مريم” قد لفتت انتباه أحد المارة فأقبل على السيارة من الخلف فصرخت به قائله وهى تشعر بالإنهيار التام :

– أرجوك الحقنى .. الراجل ده خاطف اختى

انضم اليهما أحد المارة فلم يستطع “حامد” التحرك بسيارته .. فبحركة سريعة فتح الباب ودفع “نرمين” منه فتحركت “مريم” من مكانها أمام السيارة وأخذت تبعد “نرمين” عن عجلات السيارة فإنطلق “حامد” بأقصى سرعة .. جلست “مريم” بجوار “نرمين” تحمل راسها وهى تبكى :

– “نرمين” .. انتى كويسة .. ردى عليا عمل فيكي ايه

قال الرجل :

– شكلها اغمى عليها

حاولت “مريم” افاقتها ففشلت .. ساعدها الرجل على حملها داخل الفيلا شكرته وصرفته سريعاً .. فزعت “سارة” لرؤية “نرمين” فى هذه الحالة :

– “نرمين” .. ايه اللى حصل يا “مريم” .. أغمى عليها ولا ايه ؟

قالت “مريم” بلهجة آمرة :

– خليكي معاها هقفل البوابة وأرجعلك

خرجت “مريم” مسرعة وتأكدت من غلق البوابة جيداً ثم عادت ادراجها .. قالت لـ “سارة” :

– الدكتور اللى جالى يوم ما تعبت ده قريبكوا مش كدة

قالت “سارة” وهى تبكى :

– أيوة قريبنا ده “أحمد” ابن خالتى

قالت “مريم” لهفة :

– بسرعة اطلبيه خليه ييجى

بعد فترة بدأت “نرمين” فى الإفاقه نظرت الى ما حولها بفزع وأخذت تصرخ وتبكى أخذتها “مريم” فى حضنها قائله :

– متخفيش يا حبيبتى انتى فى البيت

قالت “سارة” بإستغراب :

– هى ملها مفزوعة كدة

قالت “مريم” :

– “سارة” روحى هاتيلها كوباية ماية لو سمحتى

تعلقت “نرمين” بـ “مريم” وكأنها تخشى عودة “حامد” من جديد .. هدأت “مريم” من روعها وقالت :

– الدكتور قريبكوا جاى دلوقتى .. هنقوله ان اغمى عليكي .. ماشى .. متجبيش سيرة عن اللى حصل لحد ما أفهم منك الموضوع

أومات “نرمين” برأسها .. بعد نصف ساعة حضر “أحمد” .. كان شاباً فى الخامسة والعشرين متوسط الطول ابيض البشرة ذو عينين رمادتين .. قالت له “مريم” :

– عايزين بس نطمن عليها لانها تعبت شوية واغمى عليها

نظر “أحمد” الى “نرمين” التى يبدو عليها آثار البكاء فشرحت له “مريم” قائله :

– هى زعلانه على موت عمتها الله يرحمها

أجهشت “نرمين” فى بكاء حار فجلست “مريم” بجوارها وعانقتها .. فقال “أحمد” :

– متقلقيش هى بس تريح نفسها وتاخد الدوا ده وان شاء الله هترتاح كتير

أخذت “مريم” منه الروشته وشكرته .. فقال :

– هو “مراد” لسه فى الصعيد مش كدة

أومأت برأسها فقال :

– لو تحبوا أستنى معاكوا هنا .. لولا ان ماما تعبانه ونايمة فى السرير كنت كلمتها تيجي تعد معاكوا

قالت “مريم” بسرعة :

– لا مفيش داعى وكمان بلاش تقلق طنط .. هى “نرمين” شوية وهتبقى كويسة

أومأ برأسه ونظر الى “نرمين” بقلق ثم قال :

– طيب لو احتجتونى فى أى وقت كلمونى

قالت “مريم” :

– شكراً

أوصلته للبوابة وأغلقتها خلفه جيداً .. وعادت الى “نرمين” .. كانت “سارة” بجوارها جلست “مريم” أمام “نرمين” وهما يتبادلان النظرات .. قالت “مريم” بهدوء :

– احكيلى اللى حصل بالظبط

نظرت اليها “نرمين” قائله بصوت مضطرب :

– انتى شوفتيني ؟

قالت “مريم” :

– كنت واقفة فى البلكونة وشوفتك وانتى خارجة من البوابة ولقيتك بتركبي العربية معاه جريت ساعتها عشان أشوف مين ده اللى خرجتي تركبي معاه ومن غير ما تقولى لحد انك خارجة .. اول ما خرجت من البوابة شوفته وهو بيخدرك فجريت على العربية واعدت اصرخ لحد ما اتنين كانوا مشيين جم وساعتها هو خاف ورماكى من العربية

شهقت “سارة” وهى تقول :

– الكلام ده صح يا “نرمين” ؟

اجهشت “نرمين” فى البكاء وهى تقول :

– انا فى مصيبة .. “مراد” هيقتلنى

جلست “مريم” بجواها وعانقها قائله :

– حبيبتى اهدى واحكيلى كل حاجة عشان نقدر نتصرف

قصت عليهما “نرمين” كل شئ بالتفصيل من اول مكالمات “حامد” وخروجها معه الى ابتزازه لها بالصور .. ثم أضافت باكية :

– والله العظيم اللى فى الصور ده محصلش .. انا معرفش هو ازاى عمل كدة

قالت “مريم” بإهتمام :

– وريني الصور كدة

قالت “نرمين” :

– مسحتها

ثم قالت فجاة :

– لأ استنى آخر صورة اللى بعتهالى النهاردة ممسحتهاش

أخذت “مريم” تنظر الى الصورة جيداً بنظرات خبيرة ثم قالت بحزم :

– على فكرة واضح جداً انها متفبركة ده شغل فوتوشوب وشغل هواه كمان مش بروفيشنال

قالت “نرمين” وقد شعرت بالأمل :

– بجد يعني واضح انها مش حقيقية ؟

قالت “مريم” بثقه :

– ايوة لو دققتى فيها هتعرفى انها مش طبيعية .. وكمان انتى نسيتى ان أنا ديزاينر يعني اقدر بسهولة اميز الفرق بين الصورة الأصلى واللى داخل عليها تعديلات

قالت “نرمين” باسى :

– بس “مراد” لو شافها مستحيل يصدق انها متعدلة

قالت “مريم” بحزم :

– انتى ليه فكرتى بالشكل ده يا “نرمين” .. ليه فكرتى انه هيقتلك وليه فكرتى انه مش هيصدق .. أظن اخوكى عارفك كويس وعارف اخلاقك .. ايوة انتى غلطتى وكان المفروض تعترفى بالغلط ده بدل ما تصلحى الغلط بغلط اكبر .. الراجل ده كان هيفضل يبتزك طول عمرك ومكنش هيقف عند حده أبداً .. عارفه ليه ؟ .. لانه عرف واتأكد انك ضعيفة وجبانة ونقطة ضعفك هى خوفك من أخوكى .. عشان كدة قدر يستغل نقطة ضعفك دى كويس .. أما لو كنتى من البداية لما عرفتى انك غلطتى جيتى لـ “مراد” واعترفتيله بكل حاجة مكنش الراجل ده قدر يبتزك وكان “مراد” قدر يوقفه عند حده .. لكن للاسف انتى بضعفك وبخوفك سمحتيله انه يتحكم فيكي .. الحل كان فى انك تعترفى بغلطك وستتحملى عقاب اخوكى ساعتها .. كان الموضوع هيكون أسهل بكتير أوى من كل اللى حصل ده ..

قالت “نرمين” بأسى :

– انا كنت خايفة .. كنت خايفة “مراد” يعرف

قالت “مريم” بحزم :

– وخوفك ده خلاه يتحكم فيكي أكتر وطلباته تزيد أكتر وخلاكى تسرقى ملف من مكتب اخوكى وخلاكى تروحى تقابليه أدام الفيلا وتركبي جمبه فى العربية .. وأظن انتى عرفتى دلوقتى ايه اللى كان ناوى يعمله .. ولو كان ده حصل كان هيفضل برده يبتزك لانه عرف انك ضعيفة وهتخافى تحكى لاخوكى وكنتى هتفضلى فى الدوامة دى طول عمرك .. يبأه ايه الأسهل ..؟؟ انك تعترفى بغلط صغير وتتحملى عقابلك عليه .. ولا تتمادى وتصلحى كل غلطة بغلطة أكبر وأكبر ؟؟ وتضيعي نفسك وحياتك وتسمحى لواحد حقير زى دة انه يتحكم فيكي ؟؟

قالت “سارة” بقلق :

– طيب والحل دلوقتى

قالت “مريم” بحزم :

– لازم اخوكوا يعرف .. محدش هيوقفوا عند حده غيره

قالت “نرمين” باكية :

– طيب نحاول نحل الموضوع مع بعض وانتى يا “مريم” ممكن تتصلى بـ “حامد” وتهدديه

قالت “مريم” بصرامة :

– اللى زى ده عايز راجل يقفله .. لو أنا اتصلت هيعرف ان أنا كمان خايفة من “مراد” .. وهيعرف انه قدر يلمس نقطة ضعفنا كلنا .. ومستحيل هيتراجع .. وحتى لو تراجع .. اللى زى ده لازم يتربى .. لازم يعرف ان مش من الساهل انه يتعدى على حرمة غيره .. مينفعش واحد زى ده نسكت عليه .. لازم يتربي ويتعلم الادب

نظرت الى “نرمين” قائله :

– نامى دلوقتى وبكرة لما “مراد” ييجى انتى بنفسك هتحكيله كل حاجه

قالت “نرمين” بضعف :

– مش هقدر احكيله .. قوليله انتى يا “مريم”

نظرت اليها “مريم” وقالت بإصرار :

– لا يا “نرمين” انتى اللى هتحكيله .. يسمع منك احسن ما يسمع منى أو من أى حد تانى

دثرتها “مريم” وبقيت بجوارها الى ان نامت .. ودخلت غرفة “مراد” وهى تفكر فى هذا المأذق الذى وقعت فيه “نرمين” .

******************************************

فى اليوم التالى اتصل “مراد” بـ “سارة” ليخبرها بأنه و “ناهد” فى طريقه الى القاهرة .. ظلت “نرمين” تبكى طوال الوقت “وسارة” و “مريم” بجوارها يهدؤنها .. انتفضت بفزع عندما سمعت صوت سيارة “مراد” .. نزلت “مريم” وفتحت البوابة التى تغلقها طول الوقت بإحكام .. توقف “مراد” بسيارته ونظر اليها قائلاً :

– قافلين البوابة بالنهار ليه

قالت “مريم” وهى تتحاشى النظر اليه :

– عادى

سبقها “مراد” بسيارته التى اوقفها أمام باب الفيلا نزلت “ناهد” وسلمت عليها “مريم” قال “مراد” وهو يعود لركوب سيارته :

– انا راجع المكتب يا ماما

لفت “مريم” بسرعة حول السيارة وقالت له :

– لا .. لو سمحت فى حاجه لازم نتكلم فيها

تركتهما “ناهد” يتحدثان معاً وصعدت الى غرفتها .. نظر اليها “مراد” بقلق وقال :

– فى ايه

بلعت “مريم” ريقها بصعوبة كانت تخشى تلك المواجهة ولكنها تعلم أنها شئ لابد منه .. قالت بهدوء :

– ممكن نتكلم فى مكتبك لو سمحت

نزل “مراد” من السيارة وهو يرمقها بنظرات متفحصه .. سبقها الى المكتب فقالت :

– ثوانى وراجعه

لم يتكلم “مراد” بل سدد اليها نظرات تريد اختراقها لتصل الى معرفة ما يحدث .. صعدت “مريم” الى غرفة “نرمين” وقالت :

– يلا يا “نرمين” .. أخوكى مستنينا فى المكتب

قالت “نرمين” بفزع :

– قولتيله حاجه

قالت “مريم” وهى تنظر اليها بشفقة :

– لا يا حبيبتى قولتلك الاحسن انتى اللى تحكيله بنفسك

امسكتها من يدها وسحبتها ورائها .. كانت “نرمين” تشعر بأن قبلها على وشك التوقف من شدة الرعب .. دخلتا الى غرفة المكتب وأغلقته “مريم” خلفها .. نظرت “مريم” الى “مراد” الذى وقف وقد شبك يديه خلف ظهره وأخذ ينقل نظره بينهما فشعرت بالرعب هى الاخرى وعذرت “نرمين” فى خوفها .. لم تعد قدما “نرمين” قادرتان على حملها فجلست .. قال “مراد” بصرامة :

– فى ايه .. ايه اللى بيحصل بالظبط

اقتربت منه “مريم” وقالت بهدوء وهى تحاول أن تخفى توترها :

– “نرمين” عايزة تقولك حاجه .. بس لو سمحت خليك هادى واسمع كل كلامها للآخر .. هى هتحكيلك بنفسها .. يعني محدش فتنلك عليها .. لا .. هى اللى جتلك تتكلم بنفسها

التفتت “مريم” لتنصرف فنادتها “نرمين” قائله بصوت باكى :

– لا يا “مريم” عشان خاطرى متمشيش

اعادت “مريم” ادراجها .. نظر “مراد” الى “نرمين” وقال بقلق :

– فى ايه يا “نرمين”

نظرت “نرمين” الى “مريم” التى أومات برأسها تشجعها على الكلام .. فاخذت نفساً عميقاً وهى تحاول التماسك .. واخذت تقص عليه كل شئ بصوت مرتجف مبحوح من كثرة البكاء .. انتهت من كلامها وران الصمت فى الغرفة لا يسمع فيها الا صوت عقارب ساعة الحائط .. ما هى الا لحظات من السكون قبل أن تهب العاصفة .. صاح “مراد” وهو يمسكها من ذراعها ليوقفها بقوة :

– بتقولى ايه .. ايه اللى انتى بتقوليه ده

اسرعت “مريم” تحاول نزع ذراعها من يده وهى تقول بلهفه :

– براحة عليا .. هى غلطت ومعترفه بده وجت حكيتلك بنفسها

بدا وكأن “مراد” لم يسمع كلمة مما قالتها “مريم” واشتدت قبضته على ذراع “نرمين” الى ان صرخت وبكت من الألم وهو يصرخ قائلاً :

– دى التربية اللى انت اتربتيها .. دى الاخلاق اللى علمنهالك .. مش مكفيكى مقابلتك له راحه كمان تركبي معاه العربية .. افرضى كان قدر الحقير ده انه يخطفك .. عارفه كان هيحصل فيكي ايه يا “نرمين”

بدا وكأنه سيهم بضربها .. بكت “مريم” وهى تحاول تخليصها من قبضته وهى تقول :

– “مراد” لا يا “مراد” عشان خاطرى .. هى غلطت بس عشان خاطرى متضربهاش .. هى جت اعترفتلك هى لو كانت وحشة مكنتش اتكلمت .. سيبها بأه عشان خاطرى

كانت نيران الغضب تشتعل داخل عيناه ..دفعته “مريم” بقدر ما استطاعت وخلصت “نرمين” من قبضته وقالت لها بلهفه :

– بسرعة اطلعى على أوضتك

خرجت “نرمين” مسرعة وهى تبكى استقبلتها “سارة” بالخارج وأصعدتها الى غرفتها .. وقفت “مراد” وبدا وكأنه يوشك على الفتك بشخص ما .. قالت له “مريم” وهى تتحدث بسرعة :

– فكر قبل ما تعمل اى حاجه .. ما تأذيش نفسك مامتك واخواتك ملهمش غيرك .. لو اشتكيته انا هشهد عليه ودول كذا قضية فى بعض خطف وابتزاز يعني هيورح فى داهية ان شاء الله

بدا وكأنه لم يسمع كلمة مما قالت .. كانت تعبيرات وجهه تشع غضبا ويضم قبضتى يده بقوة .. ثم خرج مسرعاً متوجهاً للخارج .. شعرت “مريم” بالفزع .. خشت أن يتهور ويقتل “حامد” .. أسرعت خلفه بعدما أخذت طرحة لها كانت تركتها فى غرفة الجلوس لفت بها شعرها ونزلت مسرعة وفتحت باب السيارة وركبت بسرعة قبل أن ينطلق .. كانت عيناه تشعان غضباً بدا وكأنه لا يشعر حتى بوجودها معه .. خرج من البوابه وانطلق بسيارته كالسهم .. توقف بالسيارة أمام شركة “حامد” هم بالنزول فامسكته “مريم” من ذراعه قائله :

– فكر قبل ما تعمل اى حاجه تندم عليها

نظر اليها وبدا وكأنه يريد الفتك بها وصرخ فيها بغضب :

– اخرسى خالص .. ومتتحركيش من العربية .. لو نزلتى منها هموتك

خرج “مراد” من السيارة بعدما أحكم اغلاق ابوابها .. ظلت “مريم” تدعو وتستغفر ربها .. وهى تشعر بالقلق والخوف

صعد “مراد” الى الشركة وتوجه الى مكتب “حامد” كالثور الهائج الذى لا يستطيع أي شئ ايقافه .. قامت السكرتيرة تقول :

– لو سمحت يا فندم .. ساعات العمل النهاردة انتهت

لم يتلفت اليها “مراد” بل لم يسمعها اصلاً اقتحم مكتب “حامد” الذى فزع عندما رآه .. أطبق “مراد” بقبضتيه على ملابسه ونزعه من الكرسي نزعاً ولكمه الى ان سقط ارضاً .. قال “حامد” للسكرتيرة بفزع :

– اطلبي السيكيوريتى بســـ ……..

لم يكمل كلامه فقد أوقفته لكمة أخرى من “مراد” جعلت الدماء تنفجر من فمه وأنفه لتسيل على ملابسه .. لم يكد يفيق من اللكمة حتى أعقبه “مراد” بالأخرى وأطبق على ملابسه ليسدد له ركله بركبته اليسرى فى بطنه جعلت “حامد” يحبس أنفاسه من شدة الألم ويسقط أرضاً أمام قدمى “مراد” .. قال “مراد” وهو يقبض بأصابعه على شعره ويرفع رأسه :

– بتتعدى على أختى يا تييييييييييييييييت فاكرنى هسكتلك .. ليه مش شايفني راجل أدامك .. ده أنا هموتك بايدي .. أنا هربيك يا تيييييييييييييت من أول وجديد

أعقب كلامه بلكمة اخرى ألقت بـ “حامد” على الارض فى وضع الجنين وهو لا يقوى حتى على الصراخ من شدة الألم كان يتنفس بصعوبة وبجواره بركة من الدماء التى اتفجرت من فمه بعدما فقد بعضاَ من أسنانه .. اخذ “مراد” يكيل له الركلات حتى حضر السيكيوريتي وأبعدوا “مراد” عنه بالقوة .. خلص “مراد” نفسه من قبضتهم ثم اقترب من “حامد” وصرخ قائلاً :

– والله ما هسيبك يا تيييييييييييييييت .. وهطلع حالاً اعملك محضر فى القسم

حاول رجلى الأمن مساعدة “حامد” واتصل أحدهما بالإسعاف أما “مراد” ثم توجه الى المكتب وحمل حاسوبه وألقاه أرضاَ وحطمه تحطيماً ثم أخذ هاتفته الموضوع على مكتبه واخرج الميمورى ثم ألقى بالهاتف من النافذة ليسقطت متهشماً على الأسفلت بعدما عبرت احدى السيارات فوقه

التفت أحد رجال الأمن يحاول الإمساك بـ “مراد” فصرخ به “مراد” قائلاً :

– هتعمل ايه هتسلمنى للبوليس انا اصلا اللى رايح أبلغ دلوقتى عن التييييييييييييييت ده وهقول فى المحضر انى ضربته

نظر رجل الأمن الى “مراد” بشئ من القلق .. فقد كانت من الواضح من فرق الطول والحجم أنه إن دخل مع “مراد” فى معركة فسيخرج وحاله ليس بأفضل من “حامد” .. نزع “مراد” نفسه من يده وخرج من الشركة التى كانت خالية من الموظفين فى مثل هذا الوقت.

******************************************

قاد “سامر” سيارته حتى وصل الى المرفأ .. نزل وبصحبته “سهى” التى أحاط كتفيها بذراعه .. سارا حتى وصلا الى أحد اللانشات .. كان مجهزاً من الداخل كما لو كان يشبه منزل على الطراز الحديث .. كانت “سهى” منبهرة بجماله وقالت له :

– روعة يا “سامر”

ابتسم لها معانقاً اياها وقال :

– ده مكانى المفضل باخده واطلع بيه وانسى الدنيا كلها

ابتسمت قائله :

– حلو اوى بجد

أعاد ترتيب خصلات شعرها التى عبثت بها الرياح ونظر اليها قائلاً بهيام :

– هاا ايه رايك .. أجيب صحابي ؟

بدا عليه التردد فحثها قائلاً :

– حابب ان المكان ده هو اللى يكون شاهد على حبنا .. وعلى جوازى منك يا “سهى”

صمتت والحيرة والتردد فى عينيها فقال لها هامساً :

– انا بحبك اوى ومقدرش أعيش من غيرك .. احنا خلاص بقينا روح واحدة يا “سهى” ومش ممكن نبعد عن بعض أبداً .. يا ترى انتى بتحبينى زى ما بحبك ؟

أومات برأسها قائله :

– طبعاً بحبك يا “سامر”

قبل يدها وأخرج هاتفه واتصل بصديقين له ثم التفت اليها قائلاً :

– حالا وهيكونوا هنا

وبالفعل كما لو كان قد اتفق معهما مسبقاً .. لم يمضى الكثير من الوقت حتى أتى صديقاه .. ليشهدان على ما أسموه زواجاً .. وتركا الإثنين لينعمان بليلتهما الأولى فى هذا الزواج الباطل والذى افتقد شرطين مهمين من شروط الزواج الصحيح .. الشرط الاول هو الاشهار بين الناس والذى لم يتحقق فى هذا الزواج السري الذى اخفياه عن أعين الجميع .. وأما الشرط الثاني هو اذن الولى .. فلا يجوز للمرأة ان تزوج نفسها بنفسها فلابد لها من ولى كأب أو أخ أو عم أو خال حتى ولو كانت المرأة بالغة .. فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ) كررها ثلاث مرات .. وقال الله عز وجل فى سورة النساء (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) .. لم يكن الشيطان ثالثهما فحسب .. بل كان الشيطان

متوغلاً فى أعماق كل منهما يزين لهما المعصية فتتحول النار الى جنة .. والخطأ الى صواب .. والحرام الى حلال .. والقذرارة الى لذة

*****************************************

أوقف “مراد” السيارة أمام قسم الشرطة تحت انظار “مريم” التى أخذت تنظر الى ملابسه الممزقة الدامية وهى لا تدرى اهذه دمائه أم دماء “حامد” .. كانت تشعر بالفزع لكنها خشيت الحديث معه وهو فى هذه الحاله .. خرج من السيارة دون أن يلتفت اليها وأحكم اغلاق السيارة .. ظلت قابعه فى السيارة لأكثر من ساعة الى أن رأته يعود أدراجه بعدما قدم البلاغ .. سار بالسيارة فى صمت .. التفتت تنظر اليه بدا أهدأ وان كانت مازالت علامات الغضب على وجهه .. توقف بالسيارة فى مكان خالى تجهله .. ساد الصمت .. لم تحاول قطع هذا الصمت .. نزل من السيارة ووقف يستند على مقدمتها وقد أولاها ظهره .. تركته لفترة طويلة واقفاً هكذا .. ثم نزلت من السيارة وتقدمت منه ببطء وحذر .. وقفت بجواره .. ثم قالت بصوت هادئ :

– انت كويس

لم يجيبها ولم يلتفت اليها .. فقالت :

– ممكن لو سمحت موبايلك أطمنهم علينا زمانهم قلقانين

بدا وكأنه لم يسمعها .. ثم بعد لحظات .. أخرج هاتفه من جيبه وأعطاه لها دون أن ينظر اليها .. أخذت الهاتف وبحثت فى سجل المكلمات الصادرة فقد تذكرت انه اتصل بـ “سارة” وهو على الطريق .. ثم ابتعدت قليلاً واتصلت بها :

– أيوة يا “سارة”

– …………….

– أنا معاه

– …………….

– ايوة كويس

-……………..

– راح للراجل ده وبعدين راح القسم قدم بلاغ

– …………….

– طيب ماشى لو فى جديد هبلغكوا .. بس طمنى طنط “ناهد” زمانها قلقانه

– …………….

– ماشى .. مع السلامة

أنهت “مريم” المكالمة وعادت لـ “مراد” مدت يدها بالهاتف .. فلم يلتفت اليها .. أعادت يدها الممدودة وهى تتطلع اليه .. كانت تعلم بأنه يشعر بشعور قاسى للغاية .. صدمته فى تصرفات أخته و فى تصرفات هذا الرجل الذى يقول أنه صديق “مراد” .. بالتاكيد لم يكن ليتخيل ان يصدر منه شئ كهذا .. ثم خوفه وفزعه على اخته وما كان سيحدث لها لولا ان نجاها الله وحفظها .. ظلت واقفه بجواره ساكنه للحظات .. ثم تركته وعادت الى السيارة وهى تشعر بالوهن والإرهاق من تلك الاحداث المتلاحقة .. امضى عدة دقائق واقفاً ساكناً .. ثم رأته يلتف ويركب بجوارها .. ظنت بأنه سينطلق بالسيارة .. لكنه نظر اليها وتطلع الى ملابسها قائلاً بصوت هادئ :

– انت ازاى خرجتى كدة ؟

نظرت “مريم” بإضطراب الى ملابسها .. فقد كانت ترتدى عباءة استقبال داكنة اللون .. تصلح لأن ترتديها أمام الناس لولا أنها مخصرة قليلاً فأبرزت القليل من تفاصيل جسدها الأنثوى .. قالت بتوتر :

– دى عباية .. يعني فى ناس بتلبسها عادى

قاطعها “مراد” قائلاً :

– ضيقة متخرجيش بيها تانى

تلاقت نظراتهما .. لمحت نظرة غريبة فى عيناه لم تألفها من قبل .. أشاحت بوجهها بسرعة وهى تشعر بقلبها تتعالى دقاته .. فعل المثل وأشاح بوجهه ونظر أمامه وانطلق فى طريقه الى البيت.

الفصل الثامن عشر من رواية قطة فى عرين الأسد

– ضيقة متخرجيش بيها تانى

تلاقت نظراتهما .. لمحت نظرة غريبة فى عيناه لم تألفها من قبل .. أشاحت بوجهها بسرعة وهى تشعر بقلبها تتعالى دقاته .. فعل المثل وأشاح بوجهه ونظر أمامه وانطلق فى طريقه الى البيت.

سبقته الى الداخل .. استقبلتها “ناهد” قائله بلهفه :

– ايه اللى حصل يا “مريم”

قالت “مريم” وقد بدا عليها الإرهاق :

– تعالى نطلع فوق يا طنط وهحكيلك انتى والبنات

دخل “مراد” البيت ودون أن يتفوه بكلمة دخل مكتبه وأغلق الباب خلفه .. صعدتا الى غرفة “نرمين” حيث كانت “سارة” جالسة بجوارها على الفراش .. قالت “نرمين” بلهفه :

– ايه اللى حصل يا “مريم” ؟

جلست “مريم” على أحد المقاعد وقالت :

– خرج من هنا وهو تعصب جداً كنت خايفة يتهور أو يعمل حاجة غلط .. معرفش لقيت نفسي بجرى وراه وبركب معاه العربية .. راح للراجل ورجع بعد فترة وهدومة مبهدلة وعليها دم بس أعتقد ده دم الراجل مش دمه هو

حثتها “ناهد” قائله :

– هااا وبعدين

قالت “مريم” :

– راح بعدها القسم يعني أكيد قدم بلاغ فيه

قالت “ناهد” بحرقه :

– حسبي الله ونعم الوكيل فيه .. أنا مش عارفه “مراد” عرف الأشكال دى منين

قالت “سارة” :

– ما هو يا ماما الراجل ده يبان محترم وابن ناس ..”مراد” هيعرف منين يعني ان أخلاقه كده .. أنا واثقه لو “مراد” كان عرف مكنش اتعامل معاه أبداً

التفتت “ناهد” الى “نرمين” قائله بأسى :

– آخر حاجه كنت أتوقعها يا “نرمين” هى انك تعملى كده وتخونى ثقتنا فيكي بالشكل ده

انفجرت “نرمين” باكية وهى تقول :

– والله معرفش عملت كده ازاى .. أنا فعلا غلطت جامد .. عشان خاطرى متزعليش منى يا ماما مش هيبقى انتى كمان كفايه “مراد”

اقتربت منها “ناهد” وأخذتها فى حضنها قائله :

– المهم انك تكونى عرفتى غلطتك يا “نرمين” ومهما حصل متكرريهاش تانى أبداً .. أنا عارفه ان “مراد” شديد عليكوا بس ده لمصلحتكوا يا بنتى .. الدنيا معدتش أمان .. ودلوقتى متقدريش تميزى بسهولة بين الكويس والوحش .. ربنا يحفظكوا يا بنتى انتوا وبنات السلمين

رفعت “نرمين” رأسها وقالت بأعين دامعه :

– “مراد” عمره ما هيسامحنى أبداً

ربتت “ناهد” على رأسها وهى تقول :

– اصبري عليه اكيد اللى حصل مكنش سهل عليه

قامت “مريم” لتتوجه الى غرفة “مراد” .. ما كادت تدخل الغرفة حتى انتبهت أنها مازالت تحمل هاتف “مراد” فى يدها .. فتركته فوق الكودينو .. ودخلت لتأخذ دشاً علها تريح أعصابها قليلاً .. خرجت وهى تفكر فى الأحداث التلاحقة التى حدثت فى اليومين الماضيين .. توقفت أمام هاتف “مراد” الذى يضئ ويطفئ فى صمت .. ترددت للحظة ثم أمسكته وتوجهت الى الأسفل .. طرقت الباب بهدوء .. لم تسمع صوتاً .. همت بالمغادرة عندما فتح الباب .. نظرت اليه كانت تبدو علامات التعب واضحة جلية على وجهه .. وكأن هماً كبيراً يؤرقه .. قالت بصوت خافت وهى تمد يدها بالهاتف :

– موبايلك

أخذه “مراد” منها وقال وهو يفسح لها الطريق :

– ادخلى عايزك

توجست خيفه ودخلت وهى تشعر بالتوتر .. سبقها وجلس الى أحد الأرائك آمراً اياها أن تغلق الباب .. فعلت فأشار لها بالجلوس على مقعد أمامه ففعلت وهى تشعر بالتوتر .. نظر اليها قائله :

– عايز أسمع منك اللى حصل بالتفصيل

قالت “مريم” :

– “نرمين” قالت كل حاجه

قال بحزم :

– عايز أسمع منك انتى

تحدثت “مريم” وروت له كل ما حدث وكل ما أخبرتها به “نرمين” .. ساد الصمت بينهما الى أن قال :

– انتى واثقه انه معملهاش حاجه

قالت “مريم” بسرعة :

– أيوة واثقه أنا كنت شيفاهم من فوق .. وأول ما لقيتها خرجت من الفيلا وبتفتح باب العربية نزلت جري .. وأول ما خرجت من البوابة شوفته وهو بيخدرها وساعتها جريت وقفت أدام العربية وصرخت لحد ما فى اتنين كانوا ماشيين ساعدونى

كان “مراد” يستمع اليها وهو يمعن النظر اليها .. ثم قال وكأنه يلوم نفسه :

– دى غلطتى انى مش حاطط سيكيوريتي على البوابة

قالت “مريم” :

– قدر الله وما شاء فعل .. الحمد لله ان الموضوع جه على أد كده

أومأ “مراد” برأسه فقالت “مريم” بشئ من التردد :

– تسمحلى أقول حاجة

نظر اليها وأومأ برأسه .. فقالت :

– أنا معاك ان “نرمين” غلطت وغلطت جامد كمان .. بس ده ميمنعش انك مشترك معاها فى الغلط ده حتى لو كان بنسبه بسيطة

عقد “مراد” ما بين حاجبيه قائلاً :

– ازاى يعني ؟

قالت “مريم” بثبات :

– أنا عارفه انك بتخاف على اخواتك البنات ومعاك حق فى كدة .. بس مبتصاحبهمش ليه بدل ما تخليهم يخافوا منك بالشكل ده .. “نرمين” كانت مرعوبة منك وخايفه انك تموتها .. أيوة لازم تخاف منك وتحترمك بس مش لدرجة الرعب اللى هى عايشة فيه ده .. انت لو كنت صاحبتها كانت حكتلك ومخافتش أوى من رد فعلك .. كانت هتحس انك هتتفهمها وتعرفها غلطها .. انت بتتعامل مع اخواتك بطريقة ناشفة أوى .. هما بنات وتقدر تكسبهم بسهولة لو بقيت لين شوية معاهم

انهت كلامها وهى تشعر بالتوتر غير قادرة على تنبؤ ردة فعله .. بدا وكأنه يفكر فيما تقول .. فأضافت :

– أنا اسفه لو كنت اتدخلت فى حاجه متخصنيش .. بس أنا بحب “سارة” و “نرمين” جداً ويهمنى مصلحتهم

قال فجأة وهو ينظر اليها ويضيق عيناه :

– ليه ؟

قالت بدهشة :

– ليه ايه ؟

قال “مراد” :

– ليه بتحبيهم أوى كدة لدرجة انك تعملى كل ده عشان “نرمين” ؟

قالت “مريم” بصدق :

– لانى بحس انهم اخواتى فعلا .. وبعدين أنا معملتش حاجه .. أى حد مكانى كان اتصرف كده

أسند “مراد” ذراعيه الى قدميه وأمال بجسده مقتربا منها ناظراً اليها بتمعن قائلاً :

– أيوة كان أى حد هيتصرف زيك لو شاف “نرمين” واحد بيخطفها .. لكن أنا مش بتكلم عن كده .. أنا بتكلم عن انك دريتي عليها أدام “أحمد” وفهمتيه انها أغمى عليها .. واهتميتي بإنها تحكيلى بنفسها اللى حصل عشان عقابها يكون أقل وعشان وقع الأمر عليا يكون أخف لما أسمعه منها هى

صمتت ولم تدرى ما تقول فأكمل :

– معقول حبتيهم الحب ده كله وخوفتى عليهم كده وانتى مبقالكيش اسبوع فى البيت ده .. ده غير ان المعاملة اللى عاملتهالك كانت ممكن تخليكي تتصرفى العكس عشان تبينيلى ان أختى مش محترمة زى ما كنت فاكر

قالت “مريم” بحماس :

– “نرمين” محترمة فعلاً .. هى غلطت أيوة بس عرفت غلطها واتراجعت عنه . بلاش تقسى عليها

لمحت فى عيناه نفس النظرة التى رأتها فى السيارة فأشاحت بوجهها بسرعة .. لحظات وقال بصوت هادئ :

– اطلعى نامى انتى تعبتى النهاردة

خرجت “مريم” من الغرفة وعينا “مراد” تتابعانها الى أن أغلقت الباب .. قضى “مراد” ليلته ساهراً فى غرفة المكتب الى أن حان موعد صلاة الفجر فصلى وصعد الى غرفته .. كانت “مريم” قد أنهت صلاتها وجلست فى الشرفة تقرأ وردها .. سمعت صوت خلفها فإلتفتت لتجد “مراد” حاملاُ ملف فى يده وهو يقول :

– لقيت الملف ده على السرير

قالت “مريم” :

– أيوة دة الملف اللى “نرمين” خدته من مكتبك

قال بإستغراب :

– مش “حامد” خده منها ؟

نهضت ووقفت قبالته قائله :

– لأ لما زقها من العربية الملف كان معاها ووقع منها .. ولما فاقت وحكتلى على اللى حصل قولت أكيد الملف ده مهم فنزلت جبته والحمد لله كان لسه على الأرض محدش أخده

لمحت “مريم” شيئاً لم تعتاد رؤيته من “مراد” .. رأت شبح ابتسامه على شفتيه .. ترى هل يبتسم لها حقاً أم خُيل لها .. لم ينطق بشئ .. توجه الى الداخل وأخذ دشاً وغير ملابسه وخرج متوجهاً الى سيارته تابعته “مريم” بعيناها وهو ينطلق بسيارته وهى تشعر بشئ غريب يراودها .. شئ جعلها تعقد ما بين حاجبيها فى ضيق.

***********************************

داعبت نسمات الهواء شعر “سهى” الواقفة على ظهر اللانش .. فاقترب منها “سامر” وأحاطها بذراعيه .. ابتسمت مجاملة له .. لكن كان فى قلبها حيرة وخوف وقلق ليس له مثيل .. كانت تظن أنها ستنعم بالراحة والسعادة عندما تتزوج من تحب .. لكن الله نزع البركة من هذا الزواج الذى يغضبه .. فكانت السعادة والراحة أبعد ما يكون عنها .. نظرت الى “سامر” الذى تشى تعبيرات وجهه بسعادة تفتقدها .. التفتت اليه قائله :

– “سامر” امتى هتيجي تتقدملى ؟

تغيرت ملامح وجهه فى لحظة .. من السعادة الى الضيق والحنق وأجاب بحده :

– “سهى” فى ايه .. ده موضوع تفتحيه على الصبح كده فى أول يوم جوازنا

نظرت اليه بقلق قائلاً :

– أنا خايفة أوى يا “سامر”

اقترب اليها قائلاً :

– حبيبتى ازاى تخافى وأنا معاكى .. مش عايزك تخافى من أى حاجة طول ما أنا جمبك

قالت له بلهفه :

– بجد يا “سامر” .. يعني مش هتبعد عنى أبداً

قبلها قائلاً :

– حد يقدر يبعد عن روحه .. انتى روحى يا “سهى”

ابتسمت له وهى تكذب شعور القلق الذى يخفق به قلبها وهى تحاول أن تفرض على قلبها السعادة فرضاَ.

**********************************

– السلاح اللى تم استخدامه فى الجريمة مرخص بإسمك يا حاج “عبد الرحمن”

قال وكيل النيابة هذه العبارة فى مكتبه .. فقال “عبد الرحمن” بفزع :

– كيف يعني .. كيف حوصل اكده

قال وكيل النيابة :

– ده اللى أثبته المعمل الجنائي .. الرصاصة اللى انطخ بيها “جمال” كانت من مسدسك اللى لجيناه مرمي فى صفيحة زبالة جمب البيت

قال “عبد الرحمن” بغضب :

– لا حول ولا قوة الا بالله .. كيف يعني .. آنى مستخدتش السلاح ده واصل .. ولا أعرف كيف وصل لصفيحة الزبالة زى ما بتجول يا حضرة الظابط

قال وكيل النيابة :

– ياريت تقول كل اللى تعرفه يا حاج عبد الرحمن .. انت بتعرف امنيح ان حاجه زى اكده ممكن توجع العيلتين فى بعض ويبجى الدم للركب

هتفت “عبد الرحمن” :

– يمين بالله مخبرش كيف ده حوصل .. السلاح ده كان فى بيتي .. ومفيش راجل غريب هوب حدانا .. كيف يعني ده حوصل

قال وكيل النيابة :

– يبجى ابنك “عثمان” هو اللى طخ “جمال”

صاح “عبد الرحمن” قائلاً :

– كيف يعني .. وجت ما “جمال” انطخ كان “عثمان” جمبه .. كيف يعني هيطخه وسط الخلج دى كلياتها ومحدش هيشوفه

قال وكيل النيابة :

– الشهود بيجولوا انك أول ما اجه المأذون وجبل ما ينطخ جمال سبتهم ومشيت ..روحت فين يا حاج “عبد الرحمن”

قال “عبد الرحمن بسرعة :

– روحت آخد موافجة العروسة .. بنت ولدى

قال وكيل النيابة :

– فى شهود على اكده

قال “عبد الرحمن” بحيره :

– مخبرش .. مخبرش حدا شافنى وآنى داخل البيت ولا لا .. بس ملحجتش أطلع حدا الحريم .. وسمعت ضرب النار فرجعت تانى ولجيت “جمال” غارج بدمه

قال وكيل النيابة :

– للأسف هنضطر نحجزك عندنا يا حاج “عبد الرحمن” لحد ما نخلص تحجيج

هتف ” عبد الرحمن” :

– لا حول ولا قوة الا بالله

أمر وكيل النيابة بحبس “عبد الرحمن” على زمة التحقيق .. وقع هذا الخبر كالصاعقة على رؤوس العائلتين .. وتأكدت شكوك الكثير من رجال عائلة الهواري بأن الفاعل من بيت السمري ..

– يا مصيبتى

تفوهت “صباح” بتلك العبارة بعدما علمت بخبر القبض على والدها .. أخذت والدتها تصرخ وتنوح .. كانت “صباح” تشعر بالرعب والفزع .. لم تتخيل أن يحدث هذا لوالدها .. ظلت تبكى وتنوح وتضرب رأسها بكفيها .. أسرعت بالتوجه الى غرفتها وأغلقت عليها الباب وجلست على فراشها تبكى وتقول :

– أعمل اييه بس يا ربي أعمل اييه

**********************************

صاح “جمال” بغضب بعدما علم الخبر من والدته :

– ولد التيييييييييييت وعامل فيها شيخ ومصلح

قالت والدته بغل :

– حسبي الله ونعم الوكيل فيه هو وابنه وعيلته كلياتها .. كانوا عايزين يئهرونى على ولدى .. بس ربنا نجاه ووجعهم فى شر أعمالهم

قال “سباعى” بثقه :

– آنى متأكد ان “عبد الرحمن” ملوش يد فى الموضوع هاد

صاحت زوجته بحنق :

– أمال مين اللى له يد .. اذا كان الحكومة بذات نفسيها هى اللى جالت اكده .. هتعرف أكتر من الحكومة ولا اييه

قال “سباعى” بحزم :

– “عبد الرحمن” عاجل ميعملش اكده واصل .. وبعدين ايه اللى يخليه يطخ “جمال” .. طالما “جمال” كان وافج يتجوز حفيدته .. اييه مصلحته يعني انه يجتله جبل ما يكتب عليها

قالت زوجته بحقد :

– لانهم بيكرهوا ولدى .. وبدهم يجتلوه ..جبر يلمهم كلياتهم

صمت “سباعى” وهو يفكر فى كيفية الخروج من هذا المأذق والذى سيتسبب فى نشوب حرب ضروس بين العائلتين

**********************************

عاد “مراد” وقت الغداء على غير العادة .. فسعدت “ناهد” لرؤيته وقالت :

– ايه ده مش متعودين نشوفك فى الوقت ده يعني

قال “مراد” :

– سهرت طول الليل فقولت آجى أريح شوية

ربتت “ناهد” على كتفه قائله :

– طيب كويس عشان نتغدى سوا

دخل “مراد” مكتبه .. أمرت “ناهد” بتجهيز الطعام . ثم نادت لـ “مراد” .. توجه “مراد” الى غرفة الطعام ليجد “سارة” فقط الجالسه .. جلس قبالة “ناهد” .. ثم ألقى نظرة على المقعدين الفارغين بجواره .. ونظر الى أمه قائلاً :

– طبعاً “نرمين” مش قادرة توريني وشها

قالت “ناهد” :

– أيوة .. بتقولى مش عارفه ازاى هحطى عيني فى عينه بعد كده

قال “مراد” بحزم وهو يبدأ فى تناول طعامه :

– أحسن خليها تتربي

صمت قليلاً ثم قال وهو يتحدث بلا مبالاة وكأن الأمر لا يعنيه :

– فين “مريم” ؟

قالت “سارة” :

– بتتغدى مع “نرمين” فى أوضتها عشان متاكلش لوحدها

عاد “مراد” الى اكمال طعامه ويبدو عليه التفكير والشرود

فى غرفة “نرمين” .. قالت بأسف :

– “مريم” لو تحبي تنزلى تتغدى معاهم انزلى

ابتسمت “مريم” قائله :

– لا بالعكس أنا مبسوطة كدة .. عشان أعرف آكل براحتى

قالت “نرمين” بإستغراب :

– بس مفيش حد غريب تحت

ثم قالت :

– ولا انتى لسه معتبرانى أنا وماما و “سارة” أغراب

شعرت “مريم” بالتوتر ودت لو قالت لها .. أخوكى هو الغريب بالنسبة لى وليس أنتن .. لكنها قالت :

– لا طبعاً أنا بحس معاكوا انى بين عيلتى .. ومش حساكوا غرب أبداً

ابتسمت “نرمين” قائله :

– “مريم” لو كنت عملت أى حاجه تزعلك منى قبل كدة ياريت تسامحيني عليها

ابتسمت لها “مريم” وقالت :

– لا أبداً يا حبيبتى معملتيش أى حاجة ضايقتنى

قالت “نرمين” وهى تنظر اليها بإعجاب :

– بجد يا “مريم” أنا بحبك أوى .. وقفتى جمبي ولا كأنك أختى بجد .. دى لو كانت “سارة” مكنتش هتعرف تتصرف زيك كدة وتخرجنى من المشكلة دى

قالت “مريم” مبتسمه :

– معملتش حاجة .. انتى أختى يا “نرمين” انتى و “سارة” وبجد بحبكوا أوى

نظرت اليها “مريم” بحنان ودت لو قالت لها يكفيني أنكِ أخت “ماجد” لأعتبرك أنتى وأختكِ أختاى من دمى ولحمى .. وأخاف عليكما مثلما أخاف على نفسي .. تحولت نظرات “مريم” الى الآسى وهى تتذكر أنها لن تلبث أن تضطر الى مغادرة هذا البيت .. والإبتعاد عن تلك الأسرة التى تشعر بأنهم أهلها وبأنها واحدة منهم .

************************************

بعد الغداء .. جلس “مراد” مع “ناهد” و “سارة” فى الشرفة يحتسون الشاى الساخن .. بدا على “مراد” شئ من القلق .. ثم قال وهو يرشف من فنجانه :

– هى “نرمين” ناوية تزنب “مريم” جمبها ولا ايه

قالت “ناهد” لـ “سارة” :

– اطلعى شوفيها يا “سارة” وخليها تنزل تشرب الشاى معانا

نهض “مراد” وهو يترك فنجانه قائلاً :

– لا خليكي أنا أصلاً طالع

صعد “مراد” للطابق العلوى .. هم بأن يطرق باب غرفة “نرمين” لكنه عزف عن ذلك وتوجه الى غرفته ليجد الشرفة مفتوحة .. اقترب منها ليجد “مريم” جالسة مستغرقة فى قراءة أحد الكتب حتى أنها لم تنتبه لوجوده خلفها .. كانت تضع بجوارها على المقعد الكبير كتاباً آخر .. انتفضت عندما رأت يد “مراد” تمتد لتمسك بالكتاب الموضوع بجوارها وأخذ يتفحص الغلاف .. لحظات .. ثم رفع نظره اليها قائلاً :

– أجاثا كريستى !

أشاحت “مريم” بوجهها وقد شعرت بالإرتباك .. فأكمل قائلاً :

– اختيار موفق .. أصلاً تشبهيها كتير

التفتت ورفعت رأسها تنظر اليه بتحدى قائله :

– تقصد انى عقلية اجرامية ؟

ضحك “مراد” حتى بدت نواجزه .. كانت تلك المرة الأولى التى تراه فيها ضاحكاً وتسمع فيها صوت ضحكاته فبدا لها مشهداً غريباً فظلت تتطلع اليه .. انتهت ضحكته بإبتسامه صغيره وهو ينظر اليها قائلاً :

– لا أقصد غامضة ومليانه أسرار

خفضت بصرها وأعادت النظر الى الكتاب بيدها .. ظل واقفاَ خلفها .. شعرت بتوتر بالغ .. حاولت التظاهر بأنه غير موجود .. لكن عيناها كانتا تمر على السطور دون أن تقرأها .. قال فجأة :

– خطيبك كان اسمه “ماجد” مش كده ؟

التفتت تنظر اليه وقد شعرت بخفقات قلبها المتسارعه .. أومأت برأسها بصمت .. فسألها قائلاً :

– انتى قولتيلى اتوفى من سنة مش كدة ؟

أومأت برأسها مرة أخرى وهى لا تدرى سر اهتمامه بمعرفة ذلك .. فسألها :

– و أهلك اتوفوا امتى ؟

نظرت “مريم” أمامها وقد ظهر فى عينيها سحابة حزن .. قالت بصوت خافت :

– من 3 سنين

ظهر شئ من الحنان فى صوته وهو ينظر اليها قائلاً :

– ليه عيشتى لوحدك ؟ .. ليه ماعيشتيش مع أهلك فى الصعيد ؟

قالت “مريم” وهى تنظر اليه :

– مكنتش أعرفهم ومكانوش يعرفونى .. لا عمرنا زورناهم ولا عمرهم زارونا

قال “مراد” بإستغراب :

– ليه ؟

ردت بحيرة :

– معرفش

أومأ برأسه وترك الكتاب بجوارها كما كان وخرج من الشرفة ليتركها غارقة فى بحور ذكرياتها .

**********************************

عادت “سهى” الى منزلها ودخلت غرفتها وألقت بنفسها على الفراش وانفجرت باكية .. كانت تشعر بمشاعر كثيرة متضاربة .. لكن شعورها الأكبر والطاغى كان الخوف .. كانت تشعر بأنها أجرمت فى حق نفسها .. حاولت كثيراً اخماد صوت الضمير بداخلها والذى تنجح دائماً فى اسكاته .. لكن هذه المرة فشلت فى اسكاته .. بل تعالى صوته أكثر فأكثر يشعرها بمدى جرمها فى حق ربها وحق نفسها وحق أهلها .. تعالى صوت هاتفها معلناً عن اتصال من “سامر” .. كانت تشعر بأنها لا تطيق مجرد سماع صوته .. لا تعلم كيف تولد هذا الكره والحقد اتجاهه بداخلها .. كيف وهى بالأمس كانت بين ذراعيه .. أغلقت هاتفها وجلست على فراشها تبكى كما لم تبكى من قبل .

**********************************

عاد ” عثمان” من النيابة فإستقبلته والدته و “صباح” بلهفه .. قالت “صباح” :

– طمنى يا خوى .. بوى كيفه .. هيخرج امتى

قال “عثمان” وهو يجلس بتعب ويضع يده على مكان جرحه :

– معرفش هيخرج امتى .. ومانعيين زيارته .. أنا سيبتله اللبس والوكل مع عسكري وجالى هيوصلهمله

هتفت أمه بحسرة :

– كان مستخبيلنا ده كله فين .. اييه العمل دلوجيت يا ربي

قال “عثمان” بغيظ :

– أموت وأعرف كيف يعني “جمال” ينطخ بطبنجة أبوى .. كيف اللى طخ “جمال” جدر يدخل بيتنا وياخد الطبنجة منييه

ثم قال :

– كلمت المحامى .. بيجول انهم دلوجيت خدوا بصمات بوى وهيشوفوا هيا اللى كانت على الطبنجة ولا لا .. وخدوا بصماتى آنى كمان .. وخدوا بصمات ناس كتير من عيلتنا وعيلة الهواري

قالت أمه بحرقه :

– أشوف فيه يوم اللى عيمل اكده ولبسها للراجل الغلبان ده .. ده راجل حجانى ويعرف ربنا يترمى فى التخشيبة اكده .. حسبي الله ونعم الوكيل

قامت “صباح” مسرعة وتوجهت الى غرفتها وهى تشعر بالخوف والحيرة

**********************************

دخلت “ناهد” مكتب “مراد” وجلست أمامه قائله بجدية :

– “مراد” عايزين نتكلم شوية

أمال على المكتب ونظر اليها بإمعان قائلاً :

– خير يا ماما

صمتت “ناهد” قليلاً وأخذت تنقر على المكتب بأصابعها بعصبيه ثم نظرت اليه قائله :

– أنا عرفت انت اتجوزت “مريم” ليه يا “مراد”

رجع “مراد” بظهره الى الخلف وقال ببرود :

– ليه ؟

هتفت “ناهد” بتوتر :

– عشان موضوعها هى و “جمال” .. والمشكلة اللى كانت هتحصل بين العيلتين

بدا عليه التفكير ثم نظر اليها قائلاً بثقه :

– كل اللى سمعتيه ده مش مظبوط

قالت “ناهد” بإستغراب :

– ازاى يعني

قال “مراد” بحزم :

– يعني الكلام اللى اتقال على “مريم” مش مظبوط .. دى لعبة من “جمال”

هتفت “ناهد” بدهشة :

– لعبة ازاى يعني .. وهيستفاد ايه من كدة

قال “مراد” بضيق :

– معرفش .. بس عمتو قالتلى كدة .. وللأسف الله يرحمها ماتت قبل ما أعرف منها كل حاجه

فكرت “ناهد” قليلاً ثم قالت :

– بس انت وهى مش متجوزين برضاكم .. مش كدة يا “مراد” ؟

قال “مراد” بهدوء :

– أيوة احنا الاتنين اضطرينا نتجوز عشان المشاكل اللى كانت هتحصل

تفرست أمه فيه قائله :

– دلوقتى بدأت أفهم

قال “مراد” بدهشة :

– تفهمى ايه ؟

قالت أمه بضيق :

– أفهم ليه انت ومراتك بعيد عن بعض .. وبتتعامل معاك بحذر أكنك واحد غريب عنها .. وانت بتتعامل معاها أكنها واحدة متخصكش

ثم أضافت بعصبية :

– وناويين بأه التمثيلية دى تستمر لحد امتى ؟

زفر “مراد” بضيق وقال بنفاذ صبر :

– ماما مش وقت الكلام ده دلوقتى .. لو سمحتى نأجل الكلام ده بعدين .. أنا اللى فيا مكفيني

قالت “ناهد” وهى تنهض :

– ماشى يا “مراد” براحتك .. مش عارفه هلاقيها منك ولا من اخواتك

قال “مراد” يوفقها :

– ماما

التفتت “ناهد” فقال “مراد” بتعبيرات جامدة :

– “مريم” متعرفش بموضوع رجلى

تجمدت “ناهد” فى مكانها وهى تنظر اليه .. فأكمل قائلاً بحزم شديد :

– ومش عايزها تعرف .. أبداً

أومأت برأسها بحزن والدموع تتلألأ فى عينيها .. خرجت وتركت “مراد” غارقاً فى التفكير .

******************************************

قامت “مريم” من على الفراش فى حجرة “نرمين” قائله بصوت ناعس :

– أنا هدخل أنام بأه

قالت “نرمين” برجاء :

– خليكي شوية يا “مريم”

قالت “مريم” وهى تفتح عينيها بصعوبة :

– بجد خلاص جبت أخرى أول مرة أسهر كدة

ثم أضافت ضاحكة :

– يلا تصبحى على خير أشوفك بكرة أحسن شكلى هنام زى الحصان وأنا واقفة

ابتسمت “نرمين” قائلا :

– وانتى من أهل الخير

توجهت “مريم” الى غرفة “مراد” .. رأت الضوء يتسرب من تحت الباب فطرقت الباب الى أن أذن لها بالدخول .. دخلت “مريم” وأغلقت الباب خلفها لتجده جالساً مكانها على الأريكة يقرأ أحد الكتب فى يده .. وقفت مكانها وهى فى حيرة من أمرها .. رفع رأسه ونظر اليها قائلاً :

– ازى “نرمين” دلوقتى ؟

قالت “مريم” :

– كويسة الحمد لله .. أحسن كتير

أومأ برأسها ثم عاد ينظر الى كتابه متجاهلاً اياها تماماً .. قالت “مريم” :

– على فكرة فى حاجه جت فى بالى النهاردة

رفع عينه اليها يحثها على الكلام فأكملت :

– اللى اسمه “حامد” ده .. ايه اللى خلاه يعرف انك مسافر الصعيد فى اليوم ده الذات .. وكمان الملف اللى طلبه من “نرمين” عرف منين ان الملف ده فى البيت مش فى الشركة

بدا على “مراد” التفكير ثم نظر اليها قائلاً :

– تقصدى ايه ؟

قالت “مريم” :

– أظن والله أعلم فى حد بيساعده وبينقله أخبارك

قال “مراد” شارداً :

– والأغرب من كده ان الملف ده بالذات جبته معايا البيت فى آخر يوم كنت فيه فى الشركة قبل ما أسافر

قالت “مريم” بحماس :

– كده يبقى أكيد فى حد بيساعده

أومأ “مراد” برأسه وقد بدا عليه أنه اقتنع بكلامها وقال :

– بكرة هشوف الموضوع ده

عاد ينظر الى كتابه وكأن شيئاً لم يكن .. قالت بتوتر :

– فى حاجه تانية كنت عايزة أتكلم فيها

رفع نظره اليها مرة أخرى .. فقالت “مريم” بثبات :

– دلوقتى عمتو “بهيرة” الله يرحمها .. هى اللى كانت هتحل مشكلتنا دى .. وأنا كنت منتظرة انها ترجع القاهرة عشان الموضوع ده يتحل .. أقصد يعني الوضع اللى احنا فيه ده

بدا وجهه خالياً من أى تعبير فأكملت قائله بتوتر :

– أنا شايفه ان خلاص كده .. نخلص من الموضوع ده .. من غير ما حد من أهالينا فى الصعيد يعرف حاجه .. وأرجع بكرة على بيتي

ظلت نظرات “مراد” اليها جامدة .. احتارت فى تفسير معناها .. وأخيراً تحدث قائلاً :

– لا لسه شوية

قالت بحزم :

– لا مفيش داعى نستنى أكتر من كدة .. وطالما أهالينا مش هيعرفوا حاجة يبقى خلاص مفيش مشاكل

قال “مراد” وهى يعاود النظر الى كتابه :

– لا مش دلوقتى لما أتأكد ان مفيش مشاكل هتحصل

قالت بحماس :

– مفيش مشاكل هتحصل .. طالما محدش منهم هيعرف حاجه

قال “مراد” بحزم وهو ينظر اليها :

– قولتلك مش دلوقتى أنا مش هخاطر ان مشكلة تحصل .. الأفضل نأجل الموضوع ده شوية

تنهدت “مريم” بضيق .. تابعها “مراد” بنظراته المتفحصه .. قالت “مريم” بحده :

– طيب لو سمحت عايزة أنام

ظهر المرح فى عيني “مراد” وقال بخبث :

– عايزانى أنيمك يعني ؟

نظرت اليه بدهشة وقد احمرت وجنتاها خجلاً وهتفت قائله :

– أقصد الكنبة .. انت آعد على الكنبة

اختفى المرح من عينيه وقال ببرود وهو ينظر الى كتابه :

– نامى على السرير

نظرت الى السرير بدهشه ثم عادت تنظر اليه هاتفه بحده :

– لأ

قال “مراد” بإصرار :

– قولتلك نامى على السرير

شعرت “مريم” بالإضطراب والتوتر كيف بإمكانها النوم في فراشه .. شعرت بالضيق فحملت أحد كتبها ودخلت الى الشرفة تحت أنظار “مراد” التى تتبعها .. جلست على المقعد الكبير بالشرفة ورفعت قدميها بجوارها وأسندت رأسها الى ذراع المقعد وهى تقرأ كتابها .. لا تدرى كم مر عليها من الوقت قبل أن يغلبها النعاس وتغط فى نوم عميق .. نهض “مراد” من مكانه وتوجه الى الشرفة ليجد “مريم” نائمة وهى تحتضن الكتاب المفتوح .. اقترب منها بحذر وأخذ الكتاب من بين يديها برفق شديد .. كانت “ناهد” تهم بغلق نافذة غرفتها عندما رأت “مراد” داخلاً الشرفة وهو يحمل غطائه وغطاء “مريم” وأخذ يدثرها بهما جيداً وبرفق خشية ايقاظها .. أحكم وضع الغطاء عليها وهو يرمقها بنظرات حانيه .. أزاح بأصابعه خصلة من شعرها سقطت على وجهها بنعومة .. ثم أرجع ظهره للخلف يستند به على سور الشرفة وظل ينظر اليها ويتأملها نائمه .. اغرورقت عينا “ناهد” بالعبرات .. وهى ترى ابنها يعامل “مريم” بتلك الرقه التى تنافى طباعه الجامدة الصارمة .. كانت تشعر بالصراع الكبير الذى يشعر به ابنها بداخله .. كانت تعلم أن بداخله خوف كبير .. خوف من الحب .. خوف من الرفض .. خوف من أظهار اعاقته .. خوف من أن تتخلى عنه حبيبته مرة أخرى .. خوف من أن يُجرح فؤاده مرة أخرى .. خوف من أن يسمح للحب بدخول قلبه .. حتى لا يتألم عندما يحين وقت الخسارة .

…يتبع

عرض التعليقات (22)